التوعية السياسية للثورة السورية كي لا نستبدل طاغية بآخر

في التاريخ الإنساني قامت كثير من الثورات الشعبية، كثير منها نجحت في الإطاحة بالأنظمة الفاسدة بسبب نشر الوعي بالطرق الكفيلة بالوصول لهذا الهدف، وفي ثوراتنا العربية رأينا نماذج جديدة ومضيئة من الوعي بضرورة بقاء سلمية الثورة، والوعي بالمظهر الحضاري للثورة مثل الاهتمام بحملات تنظيف الشوارع وإنشاء لجان شعبية لحماية الأحياء والمدن، وغير ذلك الكثير من الأمور التي ما كان لها أن تحصل إلا بواسطة نشر الوعي الشعبي بها وأهميتها لنجاح الثورة في إسقاط النظام.

بعد سقوط النظام تأتي مرحلة حرجة جدا وحساسة في تقرير مستقبل الثورة والشعب، وهي مرحلة لا تقل أهمية عن  المرحلة الأولى وتحتاج إلى نشر الوعي بها أكثر من المرحلة السابقة، من أجل ضمان الوصول إلى بر الأمان ولكي لا تذهب أرواح ودماء الشهداء سدى، وبسبب وجود كثير من  القوى المتربصة بأي ثورة تريد ركوب موجتها، وكذلك بسبب وجود قوى موالية للنظام السابق تريد الالتفاف على الثورة والقيام بثورة مضادة، فهنا تبرز كثيرا أهمية انتشار هذا النوع من الوعي.

بعض أهم عناصر الوعي:

1- الوعي بضرورة عدم الإنجرار للطائفية، وهذه النقطة ولله الحمد قد تفوق فيها شعبنا السوري وضرب فيها أروع الأمثلة من الوحدة الوطنية، ومن الضروري جدا المحافظة عليها وتكريسها خاصة بعد نجاح الثورة، حيث يُخشى (لا سمح الله) أن تزداد الاحتمالات الضعيفة جدا بقيام نزاعات طائفية متفرقة بسبب أن النظام الساقط كان هو العدو المشترك لجميع الطوائف وأحد أسباب توحدها، فيجب على الشعب ترسيخ العناصر الكثيرة الأخرى لهذه الوحدة تكون أكثر قوة وصلابة في وجه المؤامرات الرامية لشق هذه الوحدة، كما حصل في دول أخرى، ومن أهم هذه العناصر هو مبدأ المواطنة الصالحة والعيش المشترك في وطن الجميع، سواء في أوقات الرخاء أو الشدة، في الحرب أو السلم.

2- الوعي بضرورة منع أي أحزاب أو قوى أو جهات معارضة أو متنفذة من سرقة الثورة، فهذه ثورة الشعب بأكمله ضد أي طغيان أو احتكار للسلطة، وهذه النقطة كثر الحديث عنها في الثورتين التونسية والمصرية، لكن دون توضيح كافي لكيفية تجنب الوقوع فيها، وهذه من أهم النقاط الضرورية، فيوجد مثلا الثورة البرتقالية السلمية في أوكرانيا عام 2005 نتج عنها نظام آخر فاسد مثل الذي سبقه، إما لأن جهات شاركت من البداية في الثورة بقصد سرقتها، أو ربما تكون هذه الجهات من بقايا النظام السابق.

3- الوعي بأن النظام السابق لا تزول آثاره أو محاولاته لسرقة الثورة أو التأثير فيها، مثلا في حالة دول الاتحاد السوفياتي السابق يوجد نموذج من عودة النظام السابق جدير بالتأمل، حيث في روسيا تم رسميا عزل الحزب الشيوعي عن قيادة الدولة وأصبح حزبا منبوذا، وتم تأسيس حزب آخر هو حزب روسيا الموحدة بقيادة يلتسن، لكن أعضاءه كثير منهم كانوا أعضاء في الحزب الشيوعي وقادة وأصحاب مناصب في النظام السابق بل وحتى قيادات في المخابرات السوفياتية الـ KJB مثل بوتين الذي أصبح رئيسا فيما بعد، وعمل على إرجاع روسيا نسبيا إلى مرحلة شبيهة بالمرحلة الستالينية، وقام بعمليات تأميم جزئي لكثير من الشركات الخاصة، خاصة بعد الأزمة المالية العالمية، لكنه تأميم بمسميات جديدة مثل مصادرة أموال الشركة بجحة التهرب من دفع الضرائب، أو مساعدة الشركات المفلسة في الأزمة المالية مقابل تعيين موظفين حكوميين في مجلس إدارتها، كما استمر في عهد يلتسن وبوتين نفس طبيعة النظام الأمني القمعية والاعتقالات والمحاكم الاستثنائية، كما استمرت السيطرة بشكل غير مباشر على الدول المسلمة التي استقلت ظاهريا عن الاتحاد السوفياتي السابق، كما استمرت محاربتهم للشعب الشيشاني، وأخيرا نجد بوضوح وقوفهم إلى جانب حلفائهم في الديكتاتورية نظامي القذافي والأسد.

وهناك الكثير من عناصر الوعي الأخرى، وكل واحدة تحتاج لموضوع مستقل أو أكثر، دعونا نبدأ رويدا رويدا، كما نناشد كل من لديه فكرة أو موضوع غاب عن عنا أن يتكرم بنشره لتعم الفائدة على الجميع.

التوعية السياسية للثورة السورية كي لا نستبدل طاغية بآخر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

تمرير للأعلى