مراعاة الضرورات في السياسة الشرعية والتغيير

الضرورات هي غير المصالح الضرورية للحياة. وهي تعني في الاصطلاح: ((بلوغ المرء حداً إذا لم يتناول الممنوع هلك أو قارب))([1]) .

وقد أولت الشريعة الإسلامية قاعدة الضرورات أهمية خاصة، استنبطها الفقهاء من الأدلة الفقهية التفصيلية، منها: قاعدة (الضرورات تبيح المحظورات)، وقاعدة (الضرورات تقدر بقدرها). وهذه القواعد معلومة لعامة طلبة العلم، ومشتهرة بينهم. وهم يحسنون استعمالها في الأحكام المتعلقة بالضرورات الفردية فقط، خاصة في أبواب الأطعمة والأشربة. علماً أن للأفراد ضروراتهم، وللمجتمع ضروراته. يقول الدكتور يوسف القرضاوي:

((والضرورات الشرعية ليست كلها فردية، كما قد يتوهم. فللمجتمع ضروراته، كما للفرد ضروراته، فهناك ضرورات اقتصادية، وسياسية، وعسكرية، واجتماعية، لها أحكامها الاستثنائية التي توجبها الشريعة، مراعاة لمصالح البشر، التي هي أساس التشريع الإسلامي كله))([2])، انتهى.

لعل البعض لا يعجبه هذا الاقتباس عن الدكتور القرضاوي، بحجة مخالفتنا له في بعض المسائل الفقهية، أو لعل هذا البعض من الناس، سيحذر من قراءة هذا الكتاب أو سيشهر بكاتبه لأجل هذا الاقتباس. والجواب على ذلك من وجوه:

– دلنا هذا الاعتراض الذي ليس في محله، على الأزمة التي يعيشها البعض في فهم فقه السياسة الشرعية، وسياسة التعامل مع المخالف. فهؤلاء بحاجة ماسة لعلاج أمرهم في هذا الباب بأسرع ما يمكن، كي لا يتطور الأمر بهم إلى جعل الأمر من باب الولاء والبراء الذي يؤدي إلى التدابر والتباغض والتلاعن.

– ينظر في الاقتباس هل هو موافق للحق أم مخالف له، فإن كان موافقاً، ففيم الاعتراض إذن، وقد اقتبسنا عن أبي حامد الغزالي من قبل، وما أدراك ما الغزالي؟ فهو إمام الصوفية ومُقَعّدُها، ولكن أهل العلم قد شهدوا له بالحجة في علم الأصول. والحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها التقطها.

أما إذا كان الاقتباس غير موافق للحق، فلا يصار إلى ترك جميع أقوال صاحبه لأجله. ولو كان الأصل ترك جميع أقوال المخالف لنا في بعض المسائل، لتركنا جميع أقوال أهل العلم قاطبة. فما من عالم إلا وله من المسائل ما خالف بعض ما تراه أنت حقاً. فهل يجوز لك لأجل ذلك، ترك جميع أقوال الإمام أبي حنيفة، والإمام مالك، والإمام الشافعي، لعدم تكفيرهم تارك الصلاة تكاسلاً؟ أو ترك جميع أقوال الإمام أحمد لتكفيره تارك الصلاة؟ وهل يجوز لمن لا يرى جواز دخول الوزارات الحكومية والمناصب الرسمية في الحكومات الطاغوتية أن يترك جميع أقوال ابن تيمية، بحجة أنه يرى جواز ذلك؟ وهل يجوز لمن يرى كفر تارك عمل الجوارح بالكلية، ترك جميع أقوال الأئمة الأعلام الأربعة، وابن حزم، وابن تيمية، وغيرهم، بحجة أنهم لا يكفرونه؟ ما لكم كيف تحكمون؟!


(1) ((الأشباه والنظائر))، (ص/85).

([2]) ((السياسة الشرعية)) ، (ص326)، ط/1، 1998.

مراعاة الضرورات في السياسة الشرعية والتغيير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

تمرير للأعلى