وحدة الوجود عند سعيد حوى و عند الخميني

نكمل معكم حلقات تلخيص تلخيص كتاب الكشف عن حقيقة الصوفية للشيخ محمود عبد الرؤوف القاسم رحمه الله:

يقول آية الله الخميني :

الخميني وحدة الوجودواعلم أن الأسماء والصفات الإلهية كلها كامل، بل نفس الكمال…وأكمل الأسماء هو الاسم الجامع لكل الكلمات، ومظهره الإنسان الكامل المستجمع لجميع الصفات والأسماء الإلهية ومَظْهَرُ جميع تجلياته([1])… ويقول: فالإنسان الكامل جميعُ سلسلةِ الوجود وبه يتم الدائرة، وهو الأول والآخر والظاهر والباطن، وهو الكتاب الكلي الإلهي([2])… ويقول: الموجودات كلها أسماء إلهية.

ولعلك بعد التدبر في روح الاسم، والتفكر في حقيقته ومطالعة دفتر سلسلة الوجود وقراءة أسطره، ينكشف لك بإذن الله وحسن توفيقه أن سلسلة الوجود ومراتبها ودائرة الشهود ومدارجها ودرجاتها كلها أسماء إلهية([3])

– هذا مثل قول قائلهم: واجتمع فيه النجو مع الورد وغيرها مما مر.

ويقول سعيد حوى :

سعيد حوى وحدة الوجود كتاب تربيتنا الروحية… وبشكل عام، فإن السائر إلى الله ليصل إلى مقام الإحسان، فإنه يمر على ما يسميه الصوفية (الفناءات)، والفناء في الأفعال بأن يحس الإنسان أن كل شيء فعلُ الله، والفناء في الصفات بأن يستشعر الإنسان صفات الله عز وجل، والفناء في الذات، وهو أن يستشعر الإنسان أولية الذات الإلهية وصمدانيتها. ومتى استقر في هذا المقام أحس بمقام الإحسان، ويحاولون في هذه الحالة أن ينقلوه إلى مقام (المشاهدة مع رؤيته الخلق)، وهذا الذي يسمونه مقام (البقاء)، وقد تكون النقلة سريعة إلى الفناء في الصفات مباشرة، أو قد تكون إلى الفناء في الذات مباشرة، ثم يبدأ السالك يستشعر ما سوى ذلك([4])؟

– النص واضح جداً، مر معنا أمثاله. وفيه بعض العبارات الغامضة:

فعبارة: …أولية الذات الإلهية يعني بها: كان الله ولا شيء معه وهو الآن على ما كان عليه، فأولية الذات الإلهية هي: كان ولا شيء معه، ويستشعر بها، أي: يستشعر أنها على حالها كما كانت، وهو الآن على ما كان عليه.

وعبارة: …وصمدانيتها: للاسم الصمد معنيان؟ أحدهما: الذي يُصمد إليه، أي: يُرجع إليه ويُتوجه إليه في كل شيء. ومعنى صمدانية الذات الإلهية عند الصوفية هو نفس معنى الآية: ((إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى)) [العلق:8] عندهم، ونفس معنى: ((ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً)) [الفجر:28] عندهم.. وقد مر معنا كيف يفهمون الآيتين.

إذن، فمعنى قوله: يستشعر الإنسان أولية الذات الإلهية وصمدانيتها هو: أنه يستشعر وحدة الوجود. وهذا المعنى واضح تماماً لكل من فهم عباراتهم وتذوق معانيها. أما من لم يستطع بعدُ فهمها، رغم مئات الأمثلة والنصوص السابقة! فلا حيلة لنا معه.

وأمامنا أيضاً العبارة: …أن ينقلوه إلى مقام المشاهدة مع رؤيته الخلق، وهذا…مقام البقاء.

إذن فمقام البقاء – ونعرفه سابقاً – هو المشاهدة يضاف إليها رؤية الخلق. وبالرغم من أننا الآن نعرف معنى مصطلح (المشاهدة) ولكن النص يزيدنا إيضاحاً، فالمشاهدة هي رؤية الحق بدون خلق، أي: رؤية الله، جل وعلا، في كل شيء، بحيث لا يرى الواصل خلقاً، بل يرى كل شيء هو الحق، وهذا هو مقام الفناء في الذات، لكن الشيخ ينقله إلى مقام (المشاهدة مع رؤيته الخلق)، وهو مقام (البقاء) أو الفرق الثاني، أو صحو الجمع … أو … وهو المقام الذي يقول فيه أبو الحسن الشاذلي: اجعل الفرق في لسانك موجوداً، والجمع في جنانك مشهوداً. ويقول فيه الجنيد: لا بد من مشاهدة الفرق بين ما يأمر الله به وما ينهى عنه. ويقول فيه ابن عجيبة: إياك أن تقول أناه، واحذر أن تكون سواه، وهو المقام الذي يتواصون به منذ مقتل الحلاج وغيره.

وأترك للقارئ تحليل قوله: (ثم يبدأ السائر يستشعر ما سوى ذلك) ليزداد تمرساً بفهم النصوص الصوفية.

ويقول سعيد حوى أيضاً: ولئن كان جزء السير التحقق بأسماء الله، ولئن كانت مراحل السير تتم بالانتقال من فناء إلى فناء، فإن الذكر هو وسيلة ذلك كله([5]).

– معنى (التحقق بأسماء الله) واضح، ومر كثيراً في النصوص السابقة، ومع ذلك أورد أمثلة تساعد على التوضيح أكثر:

لو قال قائل: فلان متحقق باسم الشجاع فإن كل من يسمع هذا القول يعرف أن فلاناً شجاع بكل معنى الشجاعة.

ولو قال: فلان متحقق باسم الفيلسوف، لفُهم مباشرة أن فلاناً فيلسوف ضالع.

ولو قال القائل: فلان متحقق باسم الصوفي لعُرف دون تردد أن فلاناً صوفي. وهكذا.. عندما يقول القائل: إن السائر إلى الله، تحقق باسم من أسماء الله، وليكن مثلاً: الرب، فكل من يسمع هذا القول يعرف أن فلاناً تحقق بالربوبية، أي: صار رباً.

وهكذا بالنسبة للاسم (الرحمن)، وفي آخر الطريق بالنسبة للاسم (الله). ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

ويقول سعيد حوى أيضاً: …ومع أنني في سيري إلى الله أذاقني الله من فضله مِن معاني اسمِهِ الصمد جل جلاله وهو المقام الذي زل به هؤلاء([6]).

– لو سمعت قائلاً يقول: فلان ذاق معنى الوزارة فماذا تفهم من ذلك؟ إن أي إنسان يسمع هذا الكلام يفهم منه بدهياً أن فلاناً صار وزيراً، فذاق معنى الوزارة. وكذلك قول الشيخ هنا: أذاقني…مِن معاني اسمه الصمد، أي مرت به حال صار فيها صمداً، أو استشعر من الألوهية الاسم الصمد.

وقد رأينا فيما سبق من نصوص أن الواصل يذوق معنى الأسماء الإلهية، أو يتحقق بها بالتدريج، اسماً بعد اسم، حتى يصل إلى الاسم (الرب)، ثم يصل إلى الاسم الأعظم (الله) حيث يصير هو هو، ويقول حينئذ: أنا أنا أو كما قال ابن البنا السرقسطي في المباحث الأصلية:

ثم امتحى في غيبةِ الشهود                فاطلق القولَ أنا معبودي

ويقول سعيد حوى أيضاً: نحن نعلم أن هناك حالات للسالك يحس فيها بأحدية الذات الإلهية، ويستشعر فيها اسم الله الصمد، وهي حالة يستشعر فيها السالك فناء كل شيء، ولكن هذا الشعور لا بد أن يرافقه الاعتقاد بأن الله خالق، وأن هناك مخلوقاً، وأن الخالق غير المخلوق([7]).

– إذن فالسالك يحس بأحدية الذات الإلهية، وقد مر معنا ماذا يعنون بعبارة أحدية الذات الإلهية، مرت في نصوص يمكن أن يقال عنها: كثيرة، وكذلك يستشعر السالك أيضاً في تلك الحالات اسم الله الصمد، أي يستشعر الصمدانية، أو الألوهية، فالمدلول الأخير للصمدانية والألوهية واحد، ويفسر استشعار الاسم الصمد، باستشعار فناء كل شيء، أي لا يشعر إلا بالله وحده في كل شيء ومع كل شيء وبكل شيء، وهذه هي وحدة الوجود.

ولكنه يقرر بأن هذا هو إحساس واستشعار، وذوق كما يقول في مكان آخر: ولكن لا بد أن يرافقه الاعتقاد بأن الخالق غير المخلوق.

وهكذا أوصلنا إلى مقام الفرق الثاني، الذي هو مقام الكمَّل من الرجال (الإنسان الكامل)، مع ملحوظة نبهنا إليها، كانوا فيما سلف من القرون يطلبون من الواصل أن يقول بلسانه: إن الخالق غير المخلوق، بينما في قلبه، يجب أن يعتقد بأنه هو هو، أما الآن فالشيخ يطلب من الواصل الاعتقاد – المرافق للشعور بالوحدة – أن الخالق غير المخلوق، وهذا تطور في التقية، على أننا لو تفحصنا الكلام بهدوء، لرأينا أن النتيجة واحدة.

لنأت إلى مَثَل (الماء والثلج)، فالذائق لكليهما يحس ويستشعر ويذوق أن الثلج هو نفس الماء تكثف عنه، فهو هو، ولكن لا بد أن يعتقد أن الماء غير الثلج، فمظهرهما مختلف، ودرجة حرارتهما مختلفة، وهذا مائع وهذا جامد، إذن، فالاعتقاد بأن هذا غير هذا تؤكده عدة ظواهر، وكذلك الوجود، فالملكوت غير الجبروت وبينهما عدة فروق في المظاهر، لكن الحقيقة واحدة، هي أحدية الذات الإلهية، وهي هي وحدة الوجود. وقد يقول قائل: إن هذا الاستنتاج فيه توجيه معين!

لكن لو نظرنا في كلام الشيخ لرأينا الأمر واضحاً، فهو يقول: يحس أحدية الذات الإلهية، ويستشعر الاسم الصمد، ويذوق معنى الاسم الصمد، وهذا التصريح واضح بأن الواصل يستشعر وحدة الوجود، حيث لا شيء إلا الله، ثم يقول: لا بد من الاعتقاد بأن الخالق غير المخلوق! فكيف التوفيق بين المتناقضين؟ مع العلم أن الوحدة شيء يحسه ويستشعره ويذوقه ويتحقق به، وهذا ما يسمونه حق اليقين، بينما اعتقاد الغيرية هو شيء مفروض فرضاً (لا بد منه)! كيف التوفيق؟؟! نترك الأمر للقارئ.

ثم لننتبه إلى قول الشيخ: وهو المقام الذي زل به هؤلاء… ماذا تعني هذه العبارة؟ وأترك تحليلها للقارئ الكريم ليتسلى بها، وهي سهلة المتناول.

* وأخيراً، هذه نصوص دامغة من أقوالهم من كتبهم المعتمدة لديهم، بدءاً من الجنيد وعصره، حتى يومنا هذا، وهي غيض من فيض، فلو حاولنا جمع أقوال عارفيهم ومحققيهم في (وحدة الوجود) لاحتجنا إلى ألوف الصفحات، على أن في ما أوردناه كفاية وأكثر من كفاية.

إذن، فالصوفية كلهم يؤمنون بوحدة الوجود، مع العلم أن بعضهم لم يسمعوا بعبارة  ” وحدة الوجود “، وإنما يعرفون أن المخلوقات هي الله، وأنه يجب كتم هذه المعرفة عن العامة، ولا تقال إلا للخاصة.


([1]) شرح دعاء السحر، (ص:78).

([2]) شرح دعاء السحر، (ص:67).

([3]) شرح دعاء السحر، (ص:84).

([4]) تربيتنا الروحية، (ص:298).

([5]) تربيتنا الروحية، (ص:303).

([6]) تربيتنا الروحية، (ص:317).

([7]) تربيتنا الروحية، (ص:79).

وحدة الوجود عند سعيد حوى و عند الخميني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

تمرير للأعلى