وحدة الوجود في كتابات أبو حامد الغزالي 1/2

تلخيص كتاب الكشف عن حقيقة الصوفية الجزء 4

نكمل معكم تلخيص كتاب الكشف عن حقيقة الصوفية، ونستعرض هنا أقوال الشيخ أبو حامد الغزالي، وهي كثيرة وطويلة، وسوف نقتصر على أهمها وخاصة التي نقدم لنا معلومات جديدة. يقول أبو حامد الغزالي الذي يسمونه حجة الإسلام[1]:

… فأما إزالة الشبهة وكشف الحقائق، ومعرفة الأشياء على ما هي عليه، وإدراك الأسرار التي يترجمها ظاهر ألفاظ هذه العقيدة، فلا مفتاح له إلا المجاهدة وقمع الشهوات، … فاعلم أن انقسام هذه العلوم إلى خفية وجلية لا ينكرها ذو بصيرة، وإنما ينكرها القاصرون الذين تلقفوا في أوائل الصبا شيئاً وجمدوا عليه، فلم يكن لهم ترقّ إلى شأو العلاء، ومقامات العلماء والأولياء[2].

* الملحوظات:

1- يقول: إن معرفة حقائق الأمور وكشفها، وإدراك الأسرار، كل هذا لا يعرف إلا بالمجاهدة وقمع الشهوات و..! فهل يجيز لنا (حجة الإسلام) هنا أن نتساءل: ما هو دور الرسل؟ وما هو دور الشريعة؟ وما هو دور العلم؟! بل ما هي الفائدة من إرسال الرسل؟! وما الذي كان يمنع محمداً صلى الله عليه وسلم من أن يعلمنا أن الحقيقة لا تعرف إِلا بالمجاهدة وقمع الشهوات، وما هو الخطر الذي كان يخشاهُ صلى الله عليه وسلم من ذلك حتى جاء هؤلاء العارفون ليعرفونا بهذا السر؟!

2- تقريره وتأكيده على وجود الظاهر والباطن، والسر والعلن، وان هذا لا ينكره إلا من عميت بصيرته! فهل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعمى البصيرة عندما قال لنا: {قد تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك…}[3].

ويقول أبضاً:

.. فإن العقائد التي ذكرناها من أعمال القلب، وقد تعبدنا بتلقيها([4]) بالقبول والتصديق بعقد القلب عليها، لا بأَن يُتوصل إِلى أن ينكشف لنا حقائقها، فإِن ذلك لم يكلف به كافة الخلق… فمن قال: إِن الحقيقة تخالف الشريعة، أَو الباطن يناقض الظاهر، فهو إِلى الكفر أقرب منه إلى الإيمان! بل الأسرار التي يختص بها المقربون يدركها ولا يشاركهم الأكثرون في علمها، ويمتنعون عن إِفشائها إليهم، ترجع إِلى خمسة أقسام:

القسم الأول: أَن يكون الشيء في نفسه دقيقاً تكل أكثر الأفهام عن دركه! فيختص بدركه الخواص، وعليهم أن لا يفشوه إِلى غير أَهله، فيصير ذلك فتنة عليهم حيث تقصر أَفهامهم عن الدرك، … بل لذة الجماع إِذا ذُكرت للصبي أَو العنين لم يفهمها إِلا بمناسبة إِلى لذة المطعوم الذي يدركه، ولا يكون ذلك فهماً على التحقيق([5]).

* الملحوظات:

1- تقريره أنهم (أي: الصوفية) تعبدوا الله بتلقيها بالقبول المباشر، قبل أَن ينكشف لهم؛ لأن الكشف لمِ يكلف به كافة الخلق، وهذا الكلام هو عرض فيه إِيحاء للقارئ أَن يتلقى هو أَيضاً هذه العلوم الكشفية بالقبول المباشر، لا بأَن يتوصل إلى أن تنكشف له! وهذه الجملة (الأسرار التي يختص بها المقربون) وما فيها من إيهام وإيحاء مغري!

2- تقريرهُ أَن السر لا يمكن فهمه فهماً صحيحاً بالشرح، ولا يفهم إِلا بالذوق، ويشبهه بلذة الجماع.

ويقول: … ثم إذا انكشف لهم أسرار الأمور على ما هي عليه، نظروا إِلى السمع والألفاظ الواردة، فما وافق ما شاهدوه بنور اليقين قرروه، وما خالف أَولوه- فأَما من يأخذ معرفة هذه الأمور من السمع المجرد، فلا يستقر له فيها قدم، ولا يتعين موقف… والآن فكشف الغطاء عن حد الاقتصاد في هذه الأمور داخل في علم المكاشفة، والقول فيه يطول، فلا نخوض فيه، والغرض بيان موافقة الباطن الظاهر، وأنه غير مخالف له([6]).

* الملحوظات:

1- تقرير «حجة الإسلام» أن الحق لا يعرف بالسماع، والسماع بدهيًّا يكون من عالم بالقرآن أو عالم بالحديث أَو عالم بالفلسفة…وغيرها. وهؤلاء- طبعاً- أَخذوا علومهم بالسماع من علماء قبلهم، وهؤلاء- حسب قول الغزالي- لا يطلعون على حد الاقتصاد، ولا يمكن أن يعرفوه! إِذاً: فكيف يمكن معرفته؟! الجواب يقدمه (حجة الإسلام): لا يطلع عليه إِلا الموفقون الذين يدركون سر الأمور بنور إِلهي (أي: بالكشف)، لا بالسماع! فنسأله: ما هو دور القرآن والحديث؟ ولم أنزلا؟ ونسأل غيره: أليس هذا الكلام هو كفر من جهة، ومحاربة للعلم من جهة ثانية؟!

2- يقرر أن علم الكشف هو الحق، هو واقع الوجود وحقيقته، بقوله: (إِذا انكشفت لهم أسرار الأمور على ما هي عليه)، وقوله: (ما شاهدوه بنور اليقين)! وسنرى فيما يأتي أنه مخدوع، وأن كشفه لا يمت إلى اليقين بأي صلة، واعترافه بوضوح كامل وصراحة تامة أنهم لا يأخذون بغير الكشف، وأنهم لا يعترفون بشيء من الشريعة إِلا إِن وافق كشفهم! وما يخالف كشفهم يؤولونه! وهذا يعني بكل جلاء، أنهم يعتبرون الشريعة غير صحيحة، وأنها ليست هي الحق، وأَنها – على الأقل- فيها أخطاء يجب أن تؤوّل لتتفق مع كشفهم!

والسؤال: إِذا لم يكن هذا ضلالًا وزندقة..! فما هو الضلال والزندقة..؟

وقد يقول قائل -وما أكثرهم-: إِنه لا يعني الشريعة بقوله: (السمع والألفاظ الواردة)، فنجيبه:

أ- الفلسفة، لا يحتاجون تأويل نصوصها؛ لأن من أَسهل الأمور أَن يقولوا عنها: إِنها كذب وخطأ وضلال وكفر وأي شيء يريدون، دون أَن يخافوا أحداً أو يخشوا شيئاً، أَما الشريعة فهي التي لا يستطيعون أن يقولوا عنها: إِنها كذب أَو خطأ، أَو يقولوا: فيها شيء من ذلك؛ لأن وراء هذا القول حد الردة، لذلك يستعملون الإشارة والرمز واللغز ليموّهوا علينا، فيقول قائلهم: (السمع والألفاظ الواردة) بدلًا من (الشريعة)!

ب- الغزالي نفسه يوضح لنا مراده من مثل هذا التعبير في مكان آخر من إِحيائه، يقول: (.. أن يكون مقلداً لمذهب سمعه بالتقليد، وجمد عليه وثبت في نفسه التعصب له بمجرد الاتباع للمسموع من غير وصول إِليه ببصيرة ومشاهدة، فهذا شخص قيده معتقده.. فصار نظره موقوفاً على مسموعه، فإن لمع برق على بعد وبدا له من المعاني التي تباين مسموعه حمل عليه شيطان التقليد حملة([7])

إِذن فالغزالي يعني بـ (السمع والألفاظ الواردة) الشريعة الإسلامية.

3- وقد يأتي متحمس، وقد يحمل شارة علمية ذات اسم أو ذات شكل، ليفور ويثور، ويأتي بنصوص من هنا وهناك، يحاول أَن يثبت له بها الإمامة والاستقامة! فنجيبه بأن هذا أسلوب معروف من أساليب المغالطة، والجواب عليه ورده واضح في هذه النصوص المنقولة عنهم، ونحن هنا أمام نصوص محددة نناقشها، وموضوع معين ندرسه.

4- بما أن سيف التأويل (السحري) مسلط على رقاب النصوص (من قرآن وحديث)، إذن فلا مخالفة بين الشريعة والكشف! (هذا ما يقرره الحجة)!

هنا نتقدم – بخشوع صوفي- لنسأله: ما معنى قوله سبحانه: ((فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ)) [النساء:59]؟ وهل يا إمام عبارة ((فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ))، تعني: ردوه إلى الكشف!

جوابنا لهذا الإمام ولأتباع هذا الإمام، هو: أِن من يؤمن أن محمداً رسول الله، يقول: إذا خالف القرآن الكشف، ندوس الكشف تحت أقدامنا، ونتبع القرآن الكريم، هذا هو سبيل المسلم.

نكمل أقوال الغزالي ومناقشتها في الموضوع القادم إن شاء الله وحدة الوجود في كتابات أبو حامد الغزالي 2/2.


([1]) محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الطوسي الغزالي مات في طوس سنة: (505هـ).

([2]) إحياء علوم الدين: (1/88).

([3]) سنن ابن ماجة، المقدمة، حديث: (43).

([4]) بتلقينها، هكذا في الِإحياء، ولعلها غلطة في النسخ أو الطباعة، ولعل الصحيح هو (بتلقيها).

([5]) الإحياء: (1/89).

([6]) إحياء علوم الدين: (1/92).

([7]) إحياء علوم الدين: (1/255).

وحدة الوجود في كتابات أبو حامد الغزالي 1/2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

تمرير للأعلى