غلاء الأسعار في ميزان فقه الواقع الشرعي

ارتفعت الأسعار كثيرا في هذه الفترة خاصة المواد الغذائية، وقد أصاب الارتفاع معظم الدول العربية على الرغم من عدم تواصل الارتفاع في أسعار النفط كما حصل عندما وصل 150 دولارا للبرميل، ولهذا كثر الحديث والاتهام للحكومات والتجار بمسؤوليتهم عن هذا، ووصل الأمر بالبعض للدعوة لمقاطعة تلك المواد الغذائية التي ارتفعت أسعارها مع تحميل الحكومات مسؤولية أي نقص غذائي أو ضرر يلحق بهم بسبب المقاطعة! فما هي حقيقة الغلاء وما هو موقف فقه الواقع الشرعي منه؟

لو عدنا بالذاكرة (وهذا من أساسيات فقه الواقع) إلى فترات ماضية نجد أن أسعار الخضراوات مثلا قد وصلت ارتفاعات صاروخية كبيرة في فترات قلة العرض وكثرة الطلب، ثم تلتها فترات انخفاض كبير في فترات الوفرة أو قلة الطلب، فمن هو المسؤول عن كمية الانتاج ووفرته وقلته؟ وهل يجب شرعا على الحكومات أو حتى هل يجوز إجبار التجار ووضع القوانين لتحديد سقف للأسعار في كل المواد الغذائية؟ أم أن الأمر يجب أن يظل متروكا للعرض والطلب؟

الإجابة على هذا السؤال نأخذها من هدي فقه الواقع عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقد جاءت فترات شح في العرض وغلاء في الأسعار على نحو ما يحصل الآن، مع فارق أن التجار في ذلك الزمن هم الصحابة الكرام رضي الله عنهم أشرف هذه الأمة، ومع ذلك ارتفعت الأسعار، فعن أنس رضي الله عنه قال غلا السعر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الناس يا رسول الله غلا السعر فسعر لنا فقال: “إن الله هو المسعر القابض الباسط الرازق وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة في دم أو مال”. أي أن الله عندما يوسع ويبسط كمية الانتاج تنخفض الأسعار، وعندما يقلل ويقبض كمية الانتاج ترتفع الأسعار، ولنلاحظ التعبير النبوي الله هو المسعر، أي لا علاقة للتجار بالأسعار، كما يعني أيضا أنه لا علاقة للحكومة بالأسعار، ويستثنى طبعا من ذلك المواد الأساسية كالخبز وغيره.

لكن ما الحكمة في أن تكون التجارة حرة والأسعار متروكة للعرض والطلب في الإسلام؟ والجواب له كثير من الجوانب، من أهمها هو أن سياسة تحديد أسعار السلع  تؤدي لنفور المزارعين والصناعيين والتجار عن إنتاج وتوزيع كثير من السلع التي تصبح غير ذات جدوى في بعض الأحيان ويفقدون الحافز تجاه انتاجها، كما لا يصلح نظام قيام مؤسسات الدولة بهذا التصنيع والتوزيع، لأن القطاع العام أثبت فشله الذريع في تحقيق منتجات أو ذات جودة مقبولة منافسة للسوق، بسبب انعدام الدافع والحافز لديه، كما يحصل في الأنظة الاشتراكية.

وهكذا الإسلام ترك تحديد الأسعار للسوق من تعزيز الحوافز زيادة الإنتاجية ذات الجودة، وشجع على التنافس الشريف، وحرم الإحتكار، لكن ارتفاع الأسعار بسبب قلة الانتاج ليس هو الاحتكار، وإنما هي رسائل إنذار ربانية للناس لتعود وتتوب وتشكر النعم.

ولا يعني أن الدولة لا يجوز لها التدخل في السوق والتسعير مطلقاً، فإن ثمة استثناءات وضرورات تقتضي التدخل لدفع مفسدة محققة عن الوطن والمواطن بسبب احتكارت او جشع أو قصد إلحاق الضرر بالمواطنين وبجيوبهم لدفعهم الى المزيد من الضغط على النظام وبغضه لأجل تغييره.

عدنان الصوص

غلاء الأسعار في ميزان فقه الواقع الشرعي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

تمرير للأعلى