الاستعمار غير المباشر والشيوعية غير المباشرة

نسمع كثيراً بأن الاستعمار الغربي القديم لم ينتهِ بل ازداد خطره لأنه أصبح استعماراً غير مباشر وأنه أشد خطراً من ذي قبل، لأن القائمين عليه european-colonialism-in-the-arab world خريطة استعمار الوطن العربي ليسوا من الأجانب المستعمرين، بل هم من أبناء جلدتنا ولذا لا نشعر بأنه استعمار ويمررون مخططات الاستعمار دون أن نشعر بهم، وبعد انتهاء الاستعمار الغربي القديم وخروج قواته من المنطقة العربية، جاءت حقبة استعمارية ثورية عسكرية انقلابية، هي أشد خطرا على العالم وعلى أمتنا من الاستعمار الغربي السابق، الا وهي الشيوعية والاشتراكية بثوبها القمعي المعروف والتي استمرت اكثر من نصف قرن، الى أن تهافتت وتراجعت قدراتها عن مواصلة بسط سيطرتها ونفوذها في العالم.،فأخذت بالتراجع التكتيكي للمحافظة على بقية حياتها، لتليها مرحلة التقدم من جديد بثوبها البروسترويكي المعلن. ولذا قال من قال وادعى من ادعى بأن مرحلة الاستعمار الشيوعي قد انتهت وولت بلا رجعة، وزال خطرها.

لماذا لم يخطاليسار والشيوعية العربيةر ببالنا أن الشيوعية التي انتهت هي الشيوعية المباشرة بأسلوبها التقليدي القديم
وبدأت بعدها الشيوعية غير المباشرة باسلوبها الجديد، كما نقول تماماً عن الاستعمار الغربي؟ أي: كيف يخطر ببالنا أن الاستعمار الغربي لم ينتهِ بل غير من أسلوبه ولم يخطر ببالنا أن الشيوعية لم تنتهِ أيضا بل غيرت من أسلوبها؟ وخاصة أنها أشد خطرا ودهاء وتكتيكا من الاستعمار الغربي. فلمَ لا نبحث من حولنا ونمحص بعين فاحصة حول ما إذا كانت الشيوعية قد انتهت أم أن الذي انتهى هو الشيوعية المباشرة فقط؟

ولكي يكون بحثنا عن وجود الشيوعية وحجمها بحثا مجديا، يجدر بنا أولا أن نعرف ما هو جوهر الشيوعية وما هي مظاهرها الشكلية أو الثانوية التي من الممكن أن تتخلى عنها، ولقد ذكرنا في موضوع “صفقة الجواسيس.. الشيوعية لم تمت” أن حقيقة الشيوعية مكونة من مبادىء رئيسة من أهمها الثورية والتأميم وديكتاتورية البروليتاريا أو الطبقة العاملة وأن الإلحاد ليس هو جوهر الشيوعية، فهو موجود قبل الشيوعية ولم يستمر وجوده معها إلى آخر مسيرتها، وقلنا كذلك أن للشيوعية شق سياسي غير الشق الاقتصادي، وهو الثورية والعمل على السيطرة على العالم وفرض الحكم الديكتاتوري عليه، ولقد كانت هنالك كثير من الحركات الثورية الشيوعية أو الاشتراكية القومية النشيطة والمخيفة في المنطقة العربية طوال فترة ما قبل انهيار الاتحاد السوفييتي.

ولكن الآن نلاحظ أنه توجد تيارات ثورية قوية جدا في الشارع العربي ووسائل الإعلام غير الحكومية، وهي في نفس الوقت لا يبدو أنها مرتبطة بأي أحزاب شيوعية أو اشتراكية، ولكن أساليبها شبيهة جدا بأساليب تلك الأحزاب بثوبها القديم، ورغم أن تلك الأحزاب قد تفكك الكثير منها وأصبحت أحزابا صغيرة لا يتجاوز عدد أعضائها المئة، إلا أن تأثيرها الثوري أو السياسي موجود وكأن تلك الأحزاب أصبحت أحزابا كبرى غير مرئية وخارجة عن سيطرة الدول، أو أنها أصبحت مجرد موميات محنطة لإعطاء صورة بأن الشيوعية قد انتهت، وفي نفس الوقت يوجد أحزاب أو هيئات خفية أخرى هي التي تصنع هذا التأثير، فهل نحن نشهد تعاظم الشيوعية غير المباشرة بشقها الثوري وبطريقة خفية ومع أن جميع أحزابها المعلنة قيد الإقامة الجبرية؟ أم ما هو السر؟لقد ظهرت في أواخر السبعينات بين الشيوعيين اتجاهات ونظريات حزبية وتنظيمية توصي بإنهاء العمل التنظيمي التقليدي الذي أصبح يشكل عبئا على نفسه أكثر مما يقدم من فائدة وأصبح طريقة تجاوزها الزمن، وتم طرح نظريات جديدة مثل “المثقف العضوي”، أي أن كل عضو وكل خلية في الحزب، تعمل لوحدها وبتنسيق غير مباشر مع غيرها، وبدون أوامر إلزامية من القيادة، وهو التوجه نحو اللامركزية، وفي نفس الوقت تم تغيير مسميات هذه الحركات الفاعلة لأسماء غير شيوعية مثل حركة كفاية التي لا يوجد فيها سلم هرمي ولا حتى قائد وإنما فقط منسق، وهي تتواصل مع الجماهير مباشرة وبسلاسة، وتحصل على ثقة الجماهير بعد أن يئسوا من جدوى تنظيمات الأحزاب التقليدية العتيقة.

ولو نظرنا إلى مؤسسي ومنسقي حركة كفاية والأعضاء الفاعلين فيها نجد أن معظمهم شيوعيون واشتراكيون قوميون سابقون، تركوا الأفكار شعار كفاية الإلحادية وتركوا الشيوعية الاقتصادية ولو مرحلياً، وحافظوا على الجوهر السياسي الثوري، واتخذوا طرقا جديدة أكثر سلمية، لكن الهدف واحد والنتيجة ستكون واحدة وهي سيطرة الحكم الشيوعي الذي سيكون هذه المرة بأسلوب جديد غير مباشر كالقديم وبمسمى مختلف، ويوجد بالفعل أنظمة عربية قائمة بشيوعية غير مباشرة أو ثورية، حيث كانت في السابق لا تخشى من الإعلان عن ارتباطها بالاتحاد السوفييتي، ثم بعد انهياره أصبحت تزعم أنه دول حرة مستقلة في قراراتها وديمقراطية، لكن استمرار طريقة حكمها الديكتاتوري البوليسي الإجرامي هي نفسها، واستمرار هيمنتها على معظم الاقتصاد، يثبت أنها لا زالت شيوعية الجوهر، لكنها بشكل غير مباشر، ومن أشهرها تلك الدول ليبيا وسورية وتونس وإيران.

الاستعمار غير المباشر والشيوعية غير المباشرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

تمرير للأعلى