سوريا من الصندوق العسكري إلى الصندوق الأمني

إن القوى المتنفذة داخل المؤسسة العسكرية السورية المدفوعة بغريزة شهوة السلطة والتي استهلت استيلاءها عليها عام 1963، وأنفردت بها تماماً عام 1970 ، لم يعد بمقدورها الأستمرار في أدارة الشأن السياسي المباشر لمدة أطول مما يسمح به تواجدها الموضوعي، وذلك عائد بشكل أساسي الى الطبيعة الهيكلية والإدارية الخاصة بالتنظيم العسكري ، الذي يفتقد الأدوات اللازمة التي تمكنه من الاستمرار في إدارة شؤون البلاد بالشكل اليومي والمباشر ، لذا فقد اضطر ضباط الجيش القابضين على زمام الأمور إلى التخلي عنها لضباط الأمن ممثلين بأجهزتهم الأمنية وتحديداً جهاز الأمن العسكري.

وخلال المرحلة الأولى من استيلاء العسكر على السلطة كانت مهام الأجهزة الأمنية لا تتعدى خدمة النظام القائم ، وتثبيت دعائمه ، وتنفيذ الأوامر الصادرة إليها ، خلافاً لما جرى عقب دخول النظام مضطراً مرحلة الاستبداد الأمني – الجديد – فقد أصبحت تلك الأجهزة شريكة أصيلة في وضع سياسات النظام ومتابعة تنفيذها ، وأضحت هي الحاكم ومصنع القرار.

إن دخول النظام السوري المرحلة الاستبدادية الأمنية – الجديدة –  مع بداية ثمانينيات القرن الماضي ناجم بشكل رئيسي عن فشل المرحلة الاستبدادية العسكرية  – القديمة – واشتداد أزماته السياسية والاقتصادية والاجتماعية واستفحالها ، وصولاً إلى حالة الانسداد الوطني التام ، مما أتاح للأجهزة الأمنية الفرصة المناسبة للإطباق التام على كافة شؤون الحكم ، والعمل على إحلال الدور الأمني محل الدور العسكري ، عندما اندفعت بكامل قواها لاستثمار هذا الفشل وتداركه في ِآن واحد ، بما يمثله من احتقان وتوتر وصراع وانسداد ، في محاولة منها لإنقاذ النظام العسكري الفاشل والعبور به إلى مرحلة جديدة حماية له من الانهيار من جهة ، وإخفاءً لمضمونه الحقيقي القهري من جهة أخرى ، وتقديم نفسها بشكل جديد تحت عنوان ( الأمن الناعم !) .

وقد كان من أولويات المرحلة الاستبدادية الأمنية – الجديدة – هي أعادة تعريفها لمفهوم الأمن القومي الداخلي ، فلسفة ومهاماً واجهزة ، من حيث تحديد طبيعة القوى المعادية للنظام والعابثة بالأمن القومي ! من تيارات فكرية وحركات سياسية ، واعتبار المؤسسات الأمنية نفسها فوق الجميع  وبديل الحكومة التنفيذية والمنظمات الشعبية وحزب السلطة نفسها ( قانون أمن الحزب ) ، و أفراغها من أدوارها الحقيقية والاكتفاء بالصيغ الديكورية دون الجوهرية ، وصولاً إلى الإمساك بكافة مفاصل المجتمع السوري ، واستمرار احتجاز الشعب داخل الصندوق الأمني ، بعد أن كان محتجزاً داخل الصندوق العسكري.

إن مركزية الهاجس الأمني لدى النظام السوري ، تدفعه باستمرار إلى تعقيم المجتمع من السياسة ، من خلال إقصائه لجميع القوى الوطنية ( الإسلامية ، العروبية، الليبرالية ، اليسارية ) وقيام أجهزته الأمنية باحتكار العمل السياسي وادعاء تقويمه ، من خلال متابعة ورصد الحراك الاجتماعي ، وما يفرزه من تيارات فكرية ، وحركات سياسية ، ومنظمات اجتماعية ، ومبادرات شعبية عفوية ، عبر القيام بتحويلها إلى مجرد ملفات أمنية تمهيداً لدراستها وتحديد الوسائل اللازمة للقضاء عليها ، باعتبارها التهديد الأول لأمن السلطة ، وهذا هو بالضبط ما يطلقون عليه المساس بالأمن القومي، وفقاً لقانون الطوارئ ، والذي يستحق عقوبة السجن ثلاث سنوات لمن تجرأ على المساس به من المناضلين الشرفاء!

إن النظام الشمولي السوري المنبثق أصلاً عن انقلاب عسكري ، يسوده الفكر الأمني والذهنية الأمنية والتقنيات الأمنية ، وهو ما ترتب عليه ضرورة انتقال إدارة الموضوعات الكبرى للأوطان من سياسة وثقافة ودين وإعلام واقتصاد واجتماع وتعليم ووحدة ومقاومة. .. إلى المؤسسات الأمنية والغرف المغلقة ، لرسم خطوط خرائطها وتحديد محرماتها ، باعتبارها موضوعات خاصة بها و لا تخص عموم الشعب ! وهذا ما أدى بدوره إلى تضخم هذه الأجهزة واتساع دائرة اختصاصها وتداخلها وتعددها وصولاً إلى السرطنة الأمنية التامة:

إدارة المخابرات العامة – الأمن الخاص – الأمن العسكري – أمن الدولة – الأمن السياسي – الأمن الجوي – الأمن الاقتصادي – فرع التحقيق – فرع فلسطين – الأمن الداخلي – الأمن الخارجي – فرع المنطقة – قوات مكافحة الشغب – الأمن الرئاسي – حتى الأمن الجنائي يقوم بمهام سياسية وقمعية في الوقت الحاضر ، وبإيجاز نحن أمام سلطة أمنية عارية بامتياز .

وللتعمية على حقيقة أعدادها وتخصصاتها، تتجه كافة الأجهزة الأمنية إلى تبني الأرقام المشفرة عوضاً عن العناوين الحقيقية خلال مراسلاتها الإدارية مثل فرع الأمن العسكري رقم ( X ) فرع الأمن السياسي رقم ( Z )….

ومن المعروف أن المؤسسة الأمنية السورية تعيش على خزان هائل من المعلومات الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ، باعتبارها الأكثر استعمالاً لأدوات العصر وعلومه ، لمساعدتها في مراقبة الحراك الشعبي وتطويعه من خلال القمع والتهميش والترهيب والقتل ، والتي هي بمثابة الرأس مال الاحتياطي للنظام .

إن النظام السوري هو نظام مركب يقوم على منظومة متعددة من العناصر : قمع – أمن – قوات النخبة – سياسة –– اقتصاد – اجتماع – إعلام – أجهزة أيديولوجية …. لذا كان لابد للأجهزة الأمنية من العمل على إعداد وتأهيل فئات منظمة وذات اختصاصات متعددة ، تكون بمثابة كلاب حراسة للوضع القائم ، لملئ الفراغ السياسي الحاصل في المجتمع ، من خلال اتباع سُبل الثرثرة الأيديولوجية والتشكيك والتشويش دفعاً للإرباك ، عبر استخدام وسائل إعلام السلطة ، والمكونة من (إعلاميين ، فنانين  وعاظ سلاطين ، رياضيين ، إداريين ، صحفيين ، وزراء ، أساتذة جامعات دبلوماسيين ، مدراء ، رجال أعمال ، أطباء ، وجوه اجتماعية ، نساء ….) وإقامة العديد من المعاهد والمدارس المتخصصة بالعلوم الأمنية ، مما يعني أن المفاهيم والمستويات الأمنية قد تغيرت تماماً بالمقارنة مع المرحلة الاستبدادية العسكرية -القديمة-

أما الميزانيات المالية للأجهزة الأمنية فهي من الأسرار العليا للسلطة ، والتي لا تخضع للمساءلة والمحاسبة من حيث الإيرادات أو المصروفات ، ولكن من المؤكد أن مصروفاتها تفوق ميزانيات التعليم والصحة والثقافة مجتمعة ، وربما ستفوق ميزانية المؤسسة العسكرية على المدى القريب .

ومن المعلوم أن قانون الطوارئ هو بمثابة المرجع والمبرر لوجود الأجهزة الأمنية نفسها ، باعتبارها الجهة المسؤولة عن إنفاذ قراراته وتعليماته ، وذلك من خلال المراقبة والتدخل في الِشؤون السياسية والعسكرية والاقتصادية والدينية والاجتماعية والثقافية والإعلامية والتجارية والمالية والسياحية والعمرانية والأحوال الشخصية والشؤون المدنية والسفر !!! وصولاً إلى أمننة المجتمع السوري بكافة نشاطاته وفعالياته (الختم الأمني !) ، وإحالة المخالفين من المعارضين السياسيين للمحاكم العسكرية والمحاكم الاستثنائية ومحاكم أمن الدولة (دون حق الدفاع أو الاستئناف ، أو الاحتجاز دون محاكمة ) ، باعتبارها بديلاً للمراجع القضائية بكافة هيئاتها واختصاصاتها .

ومن خلال تفعيل قانون الطوارئ تم إعلان فرض حالة الطوارئ ، بموجب الأمر العسكري رقم (2) الصادر عن المجلس الوطني لقيادة الثورة في 18/3/1963 والذي تنص مادته الأولى على الآتي :

}تُعلن حالة الطوارئ في جميع أنحاء الجمهورية العربية السورية ابتداءً من 8/3/1963 ، وحتى إشعار آخر { ، ومنذ ثمان وأربعين عاماً ونحن بانتظار الإشعار الآخر .

ومن البين تاريخياً أن الدولة السورية خلال عقدي الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي ، لم تشهد استحداث أية دوائر أمنية، وذلك عائد بالدرجة الأولى لوجود حياة سياسية ديمقراطية ممثلة بقيام نظام سياسي ديمقراطي ليبرالي ، يعمل بهدي من دستور توافقي يفصل بين السلطات الثلاث ، ويكفل الحريات السياسية والمدنية للمواطنين ، ويضمن حرية تشكيل الأحزاب السياسية ومؤسسات المجتمع الأهلي والمدني عن طريق الإبلاغ فقط  ويراعي خصوصيات كافة الإثنيات السورية وحرية اعتقادها ، مع ضمان حرية الرأي والتعبير والنشر .

أما إذا استبد بك السؤال ، لماذا لم يتم تأسيس دوائر أمنية في تلك الفترة رغم  تعرض سورية للعديد من المؤامرات والضغوط الخارجية ؟

يجيبك شيوخ السياسة : في العهد الديمقراطي الشعب كله مخابرات .

الخلاصة / إن الاستبداد الأمني السلطوي مُمثلاً بأذرعه الأمنية الأخطبوطية هي صاحبة مخزون القوة ، ومصنع القرار ، وذلك منذ بداية ثمانينيات القرن الماضي، لن تتنازل طوعاً عما حققته من ثروات ضخمة ، نتيجة شراكتها الاستراتيجية مع البرجوازية التجارية الطفيلية ، وتحصيل ريع مواقعها القيادية ، وستقاتل باستماتة للاحتفاظ بسلطاتها المطلقة ، باستخدام جميع أدوات الضبط المتوفرة لديها ، والزج بكافة إمكاناتها الفنية والمالية والقمعية في معركة البقاء ، للدفاع عن مواقعها وامتيازاتها، واتباع سبيل النهج الأمني القاتل لإجهاض الثورة الشعبية الديمقراطية التي فجرها شبابنا الأبطال (الصحابة الجُدد) في 15/3/2011 .

إن الشعب السوري العظيم ، الذي وعى توفر الشروط الموضوعية والذاتية للثورة  اكتشف بحسه الفطري السليم أن مفتاح خروجه من الصندوق الأمني السلطوي ، هو الاتجاه صوب الشارع الاحتجاجي ، المتعين من خلال المظاهرات السلمية ، والمنظمة والمستمرة، وصولاً للعصيان المدني – السلمي- ، والذي جسد وعيه الجمعي من خلال رفعه لشعار :نحن الشعب السوري نريد إسقاط النظام السياسي بكامل أركانه ورموزه

والسؤال الذي استبد بأهل السلطة الأمنية هو :

من هؤلاء المحتجين ؟ ما هي هويتهم ؟ كيف تجمعوا ؟ أين كانوا ؟ من وراءهم ؟ ومن اين أتوا؟

يأتيهم الجواب : نحن الشعب ، وهذه ثورتنا ، أين خزان معلوماتكم ؟ أين عشرات المؤسسات الأمنية؟ أين رأس مالكم الاحتياطي القمعي ؟ أين التقنيات الأمنية ؟

أفلا تعقلون أن الشعب يمتلك كل شيء ، ويقرر كل شيء ، وسيحاسبكم على كل شئ

وَتَمُرُ السُلطات والشعب باقِ.

وأن الشعب حزام الأمان

Scroll to Top