الخلافات بين اليهود بالنسبة لدولة إسرائيل

تحدثنا في موضوع سايق عن الخلافات بين اليهود في الطريقة للسيطرة على العالم، أوما بالنسبة لموقف اليهود من قيام إسرائيل، ففي البداية كان كثير من الحاخامات اليهود خاصة الأرثوذكس أو المتشددين يرفضون قيام دولة إسرائيل عن طريق الأخذ بالأسباب المادية البشرية وأنها في نظرهم يجب أن تقوم بأمر إلهي، وهؤلاء يقفون موقفا معاديا لليهود الصهاينة الذين يرون أن حل المسألة اليهودية يكون بالطرق والأسباب المادية، لكن هؤلاء أيضا قد أصبحوا في النهاية من أشد المتعصبين لإسرائيل، وقد كان رفضهم في البداية نتيجة تمسكهم بفهم متحجر لنصوص التلمود، ثم تذكروا أن أعمال وأعراف الشعب اليهودي وتعليمات الحاخامات أقوى من الأمر الإلهي بحسب العقيدة اليهودية، وهذا يعني تلقائيا أنه كان يجب عليهم منذ زمن بعيد العمل بالأسباب المادية البشرية لإقامة إسرائيل، ويطلق بعض المفكرين مثل عبد الوهاب المسيري على هذا التحول “صهينة العقيدة اليهودية” ولكن الحقيقة أن روح وجوهر العقيدة اليهودية الشعب المختار الذي هو أعظم من الإله بزعمهم هي التربة الخصبة لظهور الصهيونية، وهذا الرأي هو في الواقع دفاع عن اليهودية والصهيونية وتبرئة لها.

والصهاينة ليسوا كذلك على موقف واحد وإن اتفقوا بالأخذ بالأسباب المادية، فقد تباينت الرؤى في ذلك بين كل من ليون تروتسكي اليهودي قائد ثورة أكتوبر البلشفية عام (1917) في بتروجراد، ومؤسس الجيش الأحمر، وبين ستالين بشأن حل المسألة اليهودية، ففي الوقت الذي كان يرى فيه ستالين الانطلاق بالاشتراكية لحكم العالم من فلسطين باعتبارها نقطة الإنطلاق([1]) كان تروتسكي يرى: أن تحرير اليهود يرتبط ارتباطاً لا ينفصل بمصير النضال من أجل الاشتراكية([2])، وأن العودة إلى فلسطين قبل انتشار الاشتراكية في العالم، وتجميع اليهود فيها يُعد أمراً خطيراً على مستقبل اليهود يهددهم بالانقراض، وقد اعتبر تروتسكي في يوليو (1940) الطرح الستاليني هذا ـ أي البدء من فلسطين ـ (مصيدة يهودية)([3]). وهذا ما أيده المؤلف اليساري أنور كامل نفسه([4])، أما مناحيم بيجن([5]) وشمعون بيريز([6]) فقد كانت نظرتهما لحل المسألة اليهودية على الطريقة الستالينية.

كما توجد فرق ومنظمات يهود آخرين يرفضون الصهيونية، ويجب أن نميز بدقة بين هذه الأنواع، ففي حين أن يهود جبل جزريم في نابلس يرفضون الصهيونية لأنهم يرفضون أصلا العقيدة التلمودية، كما أنه من الممكن أن نجد أنهم يرفضون أيضا عقيدة الشعب المختار ولا يسعون للسيطرة على العالم مثل بقية اليهود، وينطبق نفس الأمر أيضا على فرقة اليهود القرائين، أما جمعية الناطوري كارتا وهي أشهر جمعية يهودية معارضة لإسرائيل، فإنها قد تكون معارضة فعلا لقيام إسرائيل، وقد تكون أيضا مؤمنة بالطريقة التروتسكية لقيام إسرائيل، وخاصة أن اليساريين والشيوعيين هم أكثر من يشيد بها، وأيا يكن الأمر، فهي جمعية صغيرة وذات تأثير محدود، كما ظهر في الآونة الأخيرة جمعيات وأفراد يهود كثيرون في أمريكا وأوروبا أصبحوا يرفضون إسرائيل وسياستها العنصرية ويرفضون تعنتها في وجه السلام، ولا ينطلق هؤلاء من منطلق إنساني، وإنما خوفا على إسرائيل وشعبها اليهودي ورغبة في إنقاذهم لأن إسرائيل زائلة، ولو كان منطلقهم إنساني فأين كانوا من جرائم وعنصرية إسرائيل ضد العرب عندما كانت في أوج قوتها؟ كما يمكننا الاستفادة من خلافاتهم مع إسرائيل مؤقتا بشرط الحذر الشديد من أنهم ضمن مخطط يهودي أكبر من أجل السيطرة على العالم وإعادة إقامة إسرائيل الكبرى بطريقة تكون فيها قادرة على الاستمرار.

—————————

([1] )  ((سفر التكوين)) (إصحاح 17 ع 8 )، ((تثنية)) (ح11 ع9).

([2] )  ((الصهيونية وثيقة تاريخية))، أنور كامل، مكتبة مدبولي، (ص5).

([3] )  المصدر السابق، (ص5،6).

([4] )  المصدر السابق، (ص9).

([5] )  ((الثورة))، لـ مناحيم بيجن ترجمة سمير صنبر، فصل الطريق إلى الحرية، (ص13-20).

([6] )  ((الرحلة الخيالية))، ط/شمعون بيريز، فصل العام الماضي في موسكو، تعريب يوسف ضومت، ط/1، 2001، الأهلية للنشر والتوزيع.

Scroll to Top