تعطيل الحكم بالشريعة الإسلامية من زاوية نظر مختلفة

إن النظرة الشائعة إلى دول العالم العربي بأنها عدوة لله، لأنها لا تحكم بما أنزل الله وتحكم بالقوانين الوضعية، هذه النظرة غير منصفة بالرغم من كونها مصيبة من حيث الأصل ومن حيث الظاهر إلى حد كبير، إلا أن هناك العديد من وجهات النظر الأخرى الفقهية المغايرة، وللأسف يرفض البعض مجرد الاطلاع عليها والتعرف عليها بسبب إطلاق تهمة علماء السلاطين على القائلين بها، كما أن الموضوع له أكثر من جانب، منه ما يتعلق بموضوع الخلافة وشكل الدولة الإسلامية، ومنه ما يتعلق بالقوانين المطبقة من شرعية أو وضعية، ومدى شرعية أو عدم شرعية الحكم بها في ميزان شرع الله تعالى.

كما أن النظرة التعميمية الشاملة إلى جميع الدول العربية على أنها شيء واحد في هذا الباب هي نظرة خاطئة، فالدول العربية تتفاوت في نسبة تطبيق الشريعة، وربما يكون سبب هذه النظرة هو الفهم الخاطئ للآية الكريمة “أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض” [البقرة: 85]، حيث يعتقد البعض أن من لا يطبق حكماً شرعي واحداً ومن لا يطبق جميع الشريعة هما بنفس الحكم، ولكن عدم التطبيق العملي لبعض آيات الكتاب من غير كفر بها هو أمر آخر مختلف عن الكفر بها، وله أحكام مختلفة بحسب كل حالة.

مرتكزات الحكم بالشريعة

ليس من العسير تخيل مرتكزات الحكم الشرعي وتحكيم شرع الله في الدولة الإسلامية الحديثة، إذ إن أدبيات الحكم بالشريعة والتصورات حول كيف يكون شكل الدولة الإسلامية في العصر الحديث قد انتشرت بشكل كبير، وهي في متناول معظم الناس، وتتلخص بتطبيق جميع أحكام وقوانين الشريعة في كافة المجالات والحدود وغيرها مما هو مذكور بالتفصيل في كتب الفقه القديمة والحديثة.

ولكن هناك قضايا تفصيلية نحتاج لمعرفتها مثل الجواب على السؤال: متى يكون القانون الوضعي مقبولاً ومتى يكون مرفوضاً؟ بمعنى هل أي قانون وضعي يعتبر مرفوضاً فقط لكونه وضعياً؟ ومع أنه لا شك أن الإسلام دينٌ وتشريعٌ كامل، ولكنه ترك للإسان حرية الاجتهاد والاختيار بين بعض الأحكام بما يناسب أحواله، وكذلك حرية تشريع بعض القوانين في بعض المجالات المتروكة بشرط أن لا تخالف الشرع، وهي المجالات التي نصّ عليها الفقهاء بأنها تعود لاجتهاد الحاكم، مثل كثير من القوانين الإدارية والإجرائية البحتة في كثير من المجالات العسكرية والطبية والتجارية والبحرية وغيرها.

ويُعتبر القانون الوضعي مرفوضاً من حيث الأصل في حالة أنه كان مخالفاً لحكم شرعي ثابت، خاصة مثل قوانين الجنايات أو المواريث، وحيث قد استبدلت بعض قوانين الجنايات العقوبات الشرعية المنصوص عليها بشكل قطعي الثبوت والدلالة، بعقوبات أخرى من وضع الاجتهاد البشري البعيد عن الشرع الإسلامي، ففي هذه الحالة يُعتبر هذا القانون الوضعي مرفوضاً من حيث الأصل، إلا أن الضرورة والعجز بسبب الضغط الدولي قد يسوغ الاضطرار العمل بها بشرط عدم إقرارها. كما أن هناك أيضاً بعض الجنايات التي لم تنص الشريعة عى عقوبةٍ أو حد معينٍ لها، مثل عقوبات التعزير، وهذه يجوز للحاكم أن يغير العقوبة التي وردت في الأثر – إن ورد في ذلك شيء – بما يناسب كل عصر، كما أن عقوبات الجنايات القصاصية يجوز فيها تنازل أصحاب الحق عن تطبيق العقوبة الشرعية الأصلية.

وهناك كذلك قضية القانون التجاري والنظام الاقتصادي وقوانين الشركات، وبالرغم من وجود الكثير من الأحكام الشرعية المتعلقة بالتجارة والبيع والمعاملات، إلا أنها في الغالب خطوط عريضة حول تحريم وتحليل التعاملات، مثل تحريم الغش والغرر والربا وتحليل التجارة والإجارة، والخ، ولكن ليس فيها تفاصيل واضحة محددة حول ما إذا كان يجب أن يكون الاقتصاد إسلامياً بالمعنى الحديث، إذا لا وجود لنظام اقتصاد إسلامي بشكل كامل على غرار النظام الاقتصادي الرأسمالي أو الاشتراكي المعاصرَين، ويعود الأمر لاجتهاد الحاكم وظروف الزمان والمكان في اختيار طبيعة التوجه الاقتصادي، بشرط أن لا يتعارض مع أحكام الشريعة، بالإضافة إلى أن قوانين الشركات وتفاصيلها تدخل في باب القوانين الإدارية المحضة التي تعود للاجتهاد البشري بما لا يخالف الشريعة الغراء.

المصدر: فضيلة الشيخ الدكتور سمير مراد مدير مركز الإمام الشافعي – مركز الإمام -أبو عبد الله- الشافعي (emamshaf3y.com)

أمثلة على أنواع القوانين في العالم العربي

لنأخذ مثلاً النظام الأردني كمثال يمكن اعتباره يمثل متوسط الحال في العالم العربي والإسلامي ما بين دول تطبق الشريعة أكثر منه مثل السعودية، ودول أخرى لا تطبق إلا أقل القليل مثل تونس في زمن الرئيس ابن علي، وتركيا منذ زمن أتاتورك وصولاً إلى الآن رغم التحسن النسبي الأخير في فترة حكم أردوغان.

ففي هذا النظام هناك العديد من أنواع القوانين مثل:

  • مادة أساسية في الدستور تنص على أن الفقه الإسلامي من مصادر التشريع.
  • قوانين الأحوال الشخصية والمواريث حسب الشريعة الإسلامية.
  • قوانين الجنايات العقوبات، وهي من حيث تجريم الجرائم توافق الشرعية نسبياً، فهي تجرم معظم الجرائم الأساسية مثل السرقة والقتل، ولكنها تختلف عن الشرع الإسلامي من حيث العقوبة، كما أنها لا تجرمّ بعض الجرائم الأخرى المعتبرة شرعاً من الجرائم.
  • القوانين الإدارية والمدنية، وكثير منها هي قوانين مفتوحة للاجتهاد مثل قانون السير وغيرها، وهناك بعض منها قد يخالف بعض الأحكام في الشريعة الإسلامية.

كما أن هناك الكثير من التفاصيل الأخرى في القوانين، ولكن الهدف هو طرح الفكرة بشكل أولي للتشجيع على إجراء المزيد من البحوث لاحقاً.

نلاحظ في هذا العرض الموجز أنه لا يزال هناك جزء من القوانين ذات أساس شرعي كامل أو شبه كامل، وجزء منها في حالة هجينة بين كونها تهدف إلى نفس الغاية الشرعية من منع القتل والسرقة، ولكنها عطلت تطبيق الحد الشرعي مع غير إغفالٍ لاستبدال العقوبة الشرعية بعقوبة أخرى حتى يظل هناك فائدة من القانون، وهناك قوانين أخرى مفتوحة للاجتهاد بحسب كل زمان ومكان، وهذه لا تخالف الشريعة في الغالب.

معنى صلاحية الشريعة الإسلامية لكل زمان ومكان

كما هو معلوم، فإن الشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان، ويشمل ذلك على إمكانية تغيير الفتوى والحكم الشرعي الفرعي ليلائم حالة كل عصر وكل ظرف، وفي مرونة الشريعة ليس فقط جواز تغيّر الحكم، بل يوجد أيضاً جواز إسقاط أو تعطيل الحكم الشرعي عند العجز عن ذلك من غير إنكار لأصله، وهذا قد حدث عندما أوقف سيدنا عمر ابن الخطاب رضي الله عنه حد قطع يد السارق في عام الرمادة تغليباً للمصلحة، كما يوجد الكثير منه في أبواب أخرى، مثل إسقاط الصلاة والصوم عن المرأة الحائض، وإسقاط فرض الوقوف في الصلاة عن غير القادر على ذلك.

وهنا يحضر السؤال: هل حقيقة الدول العربية هي أنها عاجزة عن تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية أم هي تريد ذلك عمداً؟ من الممكن تصور إجابة مبدأية على هذا السؤال بالرجوع إلى التاريخ ومعرفة كيف وصل الحال إلى هذا؟ ومنذ متى بدأ؟ وبسبب ماذا؟ حيث يوجد في آخر المقال عرض موجز لتاريخ تغير الحكم من الشريعة الإسلامية إلى القوانين الوضعية في دولتي مصر وتركيا، وهما الدولتين الرئيسيتن في العالم الإسلامي قبل القرن العشرين.

كذلك الأمر يمكن أن نشاهد النتائج في الوقت الحاضر، فمثلاً في تركيا وغزة، حيث استلم الحكم حزب أردوغان منذ عشرين عاماً ولم يتمكن من تطبيق الحكم بالشريعة رغم نجاحه بتمرير كثير من التحسينات، وكذلك الأمر في غزة وهو مجتمع صغير على أرض صغيرة، ومع ذلك ورغم تطبيق خطة أسلمة قطاع غزة، فلم تتمكن حماس من الحكم بالشريعة بعد أكثر من خمسة عشر عاماً على حكمها للقطاع، هنا يبدو من الواضح أن هناك سياسات دولية وظروف وأسباب عديدة أخرى تمنع تطبيق الشريعة بشكلها الكامل.

تاريخ دخول القوانين الوضعية إلى العالم الإسلامي

سنلاحظ أن دخول القوانين غير الإسلامية لم يحصل في تاريخ المسلمين إلا في حالات الضعف والعجز، مثل دخول حكم دستور الياسق الذي ابتكره جنكيزخان، ولم يتمكن المسلمين من التخلص منه إلا بعد فترة طويلة، وقد كان بعض حكام المماليك يحكمون به، ولكن ابن تيمية اقتصر فقط على الإفتاء بقتال التتار دون المماليك، لأن الممالك على الأقل لا يقاتلون المسلمين مثل التتار، بل يدافعون عن الإسلام ويحفظون بيضة المسلمين.

أولاً: الدولة العثمانية:

بدأ دخول القوانين الوضعية والغربية إلى الدولة العثمانية بالتدريج، وذلك بالتزامن مع ضعفها وازدياد قوة العالم الغربي، وكانت البداية سنة 1839م، وفي سنة 1850م تم استيراد القانون التجاري الفرنسي، بسبب زيادة النشاط التجاري مع أوروبا لتسهيل الحل النزاعات مع التجار الأوروبيين، كما تم إصدار قوانين “التنظيمات” التي شملت بعض التعديلات على البحرية والعقوبات، ويحاجج المؤرخين بأن السبب ليس رغبة من العثمانيين بالتخلي عن تطبيق الشريعة، ولكن بسبب الضعف والعجز والتخلف، حيث أصبحت مراكز النفوذ الدولية تنتقل إلى الدول الأوروبية.

ثم بدأ بعض التغيير في الأحكام الشرعية المدنية سنة 1839م بواسطة السلطان محمود خان، وتم إصدار المجلة العدلية، وهي مجلة قوانين بصيغة معاصرة على هيئة مواد قانونية مشابهة للقانون الوضعي، ولكنها مستمدة من المذهب الحفني وشملت الأحوال الشخصية والمواريث والقانون المدني والعقوبات، وقد شابها كثير من النقص وتعرضت للكثير من النقد الفقهي، حتى جاء كمال أتاتورك وألغاها.

المصدر: مجلة المجتمع – تاريخ التحلل من الشريعة والاحتكام إلى القانون الوضعي (mugtama.com)

ثانياً: مصر:

خضعت مصر في زمن محمد علي باشا وبعد ذلك للامتيازات الأجنبية، وحصل فيها أكثر مما حصل في تركيا، ولكن لم يحدث فيها إلغاء كامل لتطبيق الشريعة كما فعل أتاتورك، وقد بدأ الأمر بسبب وجود رعايا للدول الأجنبية، وبضغط أجنبي أنشئت لهم محاكم قنصلية خاصة للنزاعات بينهم وبين المصريين بقوانين غربية ووضعية، ثم في عهد الخديوي إسماعيل تم تعميم هذه المحاكم بقوانين فرنسية مختلطة على جميع المصريين بهدف التخلص من المحاكم القنصلية.

وبعد استعمار الإنجليز لمصر، ازدادت القوانين والمحاكم الوضعية، وتم إنشاء المحاكم الأهلية سنة 1883م التي تحكم بقوانين فرنسية صرفة، وألغيت بعد ذلك المحاكم المختلطة، كما قام عبد الناصر الاشتراكي بإلغاء القضاء الشرعي للأحوال الشخصية ودمجها بالمحاكم الأهلية الوضعية سنة 1955م.

المصدر: المراحل التاريخية لتنحية الشريعة الإسلامية – علاء بكر – طريق الإسلام (islamway.net)

زاهر طلب

كاتب وباحث

24/4/2021

Scroll to Top