الشبهة الرابعة: أن بدعة شرك القصور لا أصل لها في التاريح الإسلامي

الشبهة الرابعة: إذا أراد المخالف أن هذه البدعة بدعة شرك القصور، هي الأكبر باعتبار أنها لا أصل لها في التاريخ الإسلامي، من الناحيتين السلوكية والتشريعية.

1- الناحية السلوكية:

فجواب ذلك:

إن من يقرأ التاريخ الإسلامي سيجد فيه ما يدل على تكرار مثل ما نراه من انحراف عن منهج الله هذه الأيام والخروج عن شريعة الإسلام، ووجود مساحات شاسعة من البلاد الإسلامية تضم فيها شرار الخلق المستحقين للجهاد والغزو.

وللتدليل على ذلك، سأحيل المطلع إلى عالم ثقة، جاهد  بلسانه وقلمه وسيفه في سبيل دعوة الحق، إنه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. إذ يقول عن واقع العالم الإسلامي في عصره، في “مجموع الفتاوى”: “… وأما بلاد إفريقية فأعرابها غالبون عليها، وهم من شر الخلق بل هم مستحقون للجهاد والغزو”.

ويقول عن بلاد المغرب الأقصى: “فمع استيلاء النصارى على أكثر بلادهم لا يقولون بجهاد النصارى هناك، بل في عسكرهم من النصارى الذين يحملون الصلبان خلق عظيم”.

ويقول: “وأما سكان الحجاز فأكثرهم أو كثير منهم خارجون عن الشريعة، وفيهم من البدع والضلال والفجور ما لا يعلمه إلا الله وأهل الإيمان والدين فيهم مستضعفون عاجزون، وإنما تكون القوة والعزة في هذا الوقت لغير أهل الإسلام بهذه البلاد، لا سيما وقد غلب فيهم الرفض”([1])، انتهى.

والملاحظ من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية هذا أنه لم يبق من رقعة الإسلام المترامية الأطراف في زمانه إلا ما استثناه هو من بلاد الشام وبلاد مصر بمساحة إجمالية تصل إلى حوالـي ثمانية بالمائة فقط من كامل مساحة رقعة العالم الإسلامي وقتئذ. واعتبر ابن تيمية – رحمه الله – دولة المماليك هي دولة الإسلام، الواجب عزها ونصرها، ووصفها بأنها كتيبة الإسلام بعزها يعز الإسلام وبذلها يذل الإسلام.

وحتى لا نظلم الواقع الإسلامي، فإن مستوى دولة المماليك لم يكن كدرجة الخلفاء الراشدين ولا حتى بمستوى الدولة الأموية أو العباسية من ناحية الالتزام العام بأحكام الإسلام والأخلاق الإسلامية، فقد وجد فيها من الفساد السياسي والأخلاقي والاجتماعي والتشريعي ما يشابه ما نراه من فساد في الدول الإسلامية في عصرنا هذا، بل يزيد أحيانا.

وتكفينا هنا بعض الإشارات الدالة على ذلك؛ لأن هذا الأمر مبسوط في كتبه المتخصصة في دراسة التاريخ.

أ- مدة الحكم وتغير السلاطين: حكمت دولة المماليك من (1250م- 1517م)، أي 267 سنة، تغيرت فيها السلاطين إحدى وستين مرة، خلال هذه الفترة، حكمت أول امرأة في الإسلام “شجرة الدر” قرابة أربعة أشهر في عام 1250م. والملاحظ في هذه الفترة  مع الأسف كثرة تغير السلطان قتلاً.

ب- الظاهر بيبرس يقتل قطز: في سنة 698هـ، وبعد انتصار قطز في معركة عين جالوت التي أنهت الخطر التتري على الأمة الإسلامية وقتئذ، قام بيبرس بقتله في مكيدة دبرها له قبل وصوله إلى مصر.

ج- سجن ابن تيمية: تم اعتقال ابن تيمية رحمه الله وسجنه على يد الولاة والسلاطين، على أثر فتوى شرعية واتهامات أخرى باطلة نسبت إليه ظلماً، وقد كانت وفاته في سجن القلعة في دمشق عند المماليك.

د- انتشار الخمور: يقول ابن كثير عن الملك المظفر قطز: “كان رجلاً صالحاً كثير الصلاة في الجماعة ولا يتعاطى المسكر، ولا شيئاً مما يتعاطاه الملوك”([2])، انتهى.

ويقول أبو شامة شهاب الدين المقدسي في ترجمة السلطان نور الدين محمود زنكي: “فهو الذي حدد للملوك اتباع سنة العدل والإنصاف وترك المحرمات من المأكل والمشرب والملبس وغير ذلك، فإنهم كانوا قبل ذلك كالجاهلية همّ أحدهم بطنه وفرجه لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً، حتى جاء بدولته، فوقف مع أوامر الشرع ونواهيه وألزم بذلك أتباعه وذويه، فاقتدى به غيره منهم”([3])، انتهى.

هـ- الترف وكنز الأموال: فقد كانت ظاهرة عامة اشتهر بها الأمراء، راجع في ذلك ما ضبط عند الأمير حسام الدين طرنطاي نائب السلطنة زمن خليل بن قلاون “وما ضبط عند نائب السلطة “سلار” زمن السلطان الناصر قلاوون من الأموال والتحف ما لم يسمع بمثله في الملوك، إذ تضمنت القوائم التي كتبها أحد القضاة الذين ندبوا لجرد هذه التركة جميع ما اشتملت، واستغرق جردها أربعة أيام”([4]).

على سبيل المثال أذكر ما قاله ابن كثير في مراسم الاحتفال بتنصيب السلطان الملك الظاهر, بعد اعترافه بقتل الملك المظفر قطز, حيث قال ابن كثير: “… ولقبوه الملك الظاهر- أي ركن الدين بيبرس البندقداري – فجلس على سرير المملكة وحكمه, ودقت البشائر وضربت الطبول والبوقات, وصفرت الشغابة, وزعقت الشاووشية بين يديه, وكان يوماً مشهوداً وتوكل على الله واستعان به, ثم دخل مصر والعساكر في خدمته, فدخل قلعة الجبل وجلس على كرسيها, فحكم وعدل وقطع ووصل وولى وعزل, وكان شهماً شجاعاً, أقامه الله للناس لشدة احتياجهم إليه في هذا الوقت الشديد والأمر العسير”([5]).

قلت: انظر كيف يثني عليه لما فيه صلاح الأمة، مع كل ما ذكر عنه من فساد، إذ العبرة عند أهل العلم النجباء غلبة المصلحة العامة وإن وجد فساد شخصي.



(1) الجزء (28) (ص532-534).

(2) “البداية والنهاية” (13/235).

(3) كتاب “الروضتين في أخبار الدولتين” (1/6).

(4) كتاب “المماليك” (ص242) للدكتور الباز.

(5) “البداية والنهاية” (13/236).

Scroll to Top