الدستور السوري دستور سلطة لا دستور دولة

أصدر رأس السلطة الاستبدادية قراراً جمهورياً ، تم بموجبه تشكيل لجنة موالية لنظامه ، مهمتها الإعداد لمسودة دستور جديد لسورية القادمة ، تحت رقم (33) بتاريخ 15/10/2011 ، وطرحه للاستفتاء الشعبي المقرر في 26/2/2012.

ونشير بداية إلى أن الدستور الجديد ، لم يأت كغيره من القوانين الصادرة مؤخراً عن النظام ، إلا تحت الضغط الشعبي ، وهو الدستور المتخلف الذي لا يواكب الحالة الوطنية ، وطموحات الحراك الشعبي الثوري ، والمنسوب المرتفع للوعي الوطني الديمقراطي ، الذي يتمتع به الشعب السوري العظيم ، صاحب أول تجربة ديمقراطية في الشرق الأوسط ، منذ الاستقلال في أربعينيات القرن الماضي.

إن الدستور المطروح على الاستفتاء الشعبي كسابقه دستور 1973 ، لن يأخذ سورية باتجاه إقامة نظام سياسي ديمقراطي ، يكون سبيلاً لبناء دولة وطنية مدنية ، تقوم على فكرة المواطنة ، بل سيكرس الاستبداد والحكم الفردي ، وذلك لعدة أسباب أهمها :

إن اللجنة المكلفة بإعداد مسودة الدستور ، قد شُكلت بأمر من رأس السلطة الشمولية ، وليست مُعدة من قبل مجلس تأسيسي منتخب شعبياُ (مثل دستور سورية لعام 1928 ، والمجمع عليه من قبل المجلس النيابي عم 1950) ، حيث أن الحكم على الدستور لا يتأتى إلا من خلال الأسلوب الذي توضع فيه  مشروع مسودته.

هذا دستور السلطة الراكبة على الأوضاع القائمة ، وليس دستور دولة  كون دستور الدولة لا يأتي إلا بصيغة توافقية ، بين كافة التيارات والقوى السياسية والمكونات الوطنية ، التي تتوزع الساحة السياسية والاجتماعية السورية .

إن الاقتصار على إعداد مسودة واحدة لمشروع الدستور ، لا تعكس سوى الأحادية الفكرية والثقافية والسياسية التي يرتكز عليها النظام القائم.

اكتفاء مسودة دستور الحاكم بالقول أن سورية جمهورية ديمقراطية ، دون بيان أنها ديمقراطية نيابية ، أو حتى أنها ديمقراطية شعبية كالدستور السابق.

إن المواد الدستورية التي تتحدث عن حرية تشكيل الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني ، والحياة الثقافية والإعلامية والحريات ، وحقوق المواطنين ، جميعها مقيدة بقوانين مسبقة ، صدرت قُبيل إعداد مسودة الدستور ، مما يترتب عليه ليّ عنق الدستور لصالح هذه القوانين المعدة من قبل أجهزة النظام ، وإفراغ المواد الدستورية من محتواها الحقيقي ، عوضاً عن أن تكون القوانين تعبيراً عن روح الدستور ومجسدة له ولاحقة عليه ، مما يؤدي إلى الانفصام بين النصوص الدستورية والقوانين.

تُظهر مسودة الدستور الجديد أن إرادة الحاكم (رئيس الجمهورية) فوق إرادة الشعب ومؤسساته ، نظراً لما يتمتع به من صلاحيات مطلقة ، في حين أن الاشتغال المثمر للنظام السياسي الديمقراطي لا يعني سوى توزيع الصلاحيات بين السلطات الثلاث ( التشريعية والقضائية والتنفيذية) ، وعدم طغيان سلطة على سلطة أخرى .

كيف يمكن أن يكون رئيس الجمهورية رئيساً لجميع السوريين في الوقت الذي يترأس فيه حزب السلطة (الأمين العام) ، رغم الإلغاء الشكلي للمادة الثامنة من الدستور التي تشير إلى أن حزبه قائد الدولة والمجتمع.

تمَّت الاستعاضة عن إلغاء المادة الثامنة من دستور الأب ! التي تجعل من حزب السلطة قائد الدولة والمجتمع ، بقضم ما تبقى من صلاحيات الحزب لزيادة صلاحيات رئيس الجمهورية ، الذي انتعل هذا الحزب.

عدم قيام الدستور بالفصل بين السلطتين القضائية والتنفيذية ، والظاهرة من خلال ترأس رئيس الجمهورية لمجلس القضاء الأعلى !! ، وتسميته لأعضاء المحكمة الدستورية العليا !!

دمج الدستور بين السلطتين التشريعية والتنفيذية ، والمتعينة من خلال الدمج بين عضوية مجلس الشعب والمنصب الوزاري .

إن الاستفتاء على منصب رئيس الجمهورية دستورياّ ، وطرحه أمام الشعب بشكل مباشر لإبداء الرأي ، لا يعني سوى استئساد الرئيس على المجلس ، في ظل الصلاحيات المحدودة لمجلس الشعب .

إن النظام السوري في ظل مسودة الدستور الجديد ، هو في الجوهر نظام رئاسي – وراثي – فردي – دكتاتوري – محض ، يمنح المزيد من الصلاحيات للرئيس بغطاء برلماني ديكوري (مجلس الشعب)

كيف يمكن أن يكون النظام السياسي السوري ديمقراطياً ، في ظل دستور يتمتع فيه الرئيس بصلاحيات متورمة منها : حل مجلس الشعب ، وصلاحية سلطة التشريع أثناء انعقاد دورات المجلس ، أو خارج انعقادها ، أو خلال الفترة التي يكون فيها منحلاً ، أو رد القوانين ، وتسمية رئيس الجمهورية لرئيس مجلس الوزراء ونوابه والوزراء ونواب الوزراء  وقبول استقالتهم وإعفائهم من مناصبهم ، وإعلانه لحالة الطوارئ أو إلغائها .

يَشترط دستور الحاكم أن يكون نصف أعضاء مجلس الشعب على الأقل من العمال والفلاحين !! في الوقت الذي تآكلت فيه القاعدة الاجتماعية التي كان يقوم عليها النظام مدناّ وأريافاّ، نتيجة لتحالف أركان النظام مع البرجوازية الطفيلية السورية ضد مصالح الشعب (التحالف من أجل الربح) .

إقصاء الدستور لملايين السوريين المقيمين خارج الوطن ، من خلال عدم تمكينهم من الترشح لمنصب رئاسة الجمهورية ، لمن لم يكن مقيماً داخل سورية لمدة عشر سنوات متصلة ، لإقصاء المعارضة الخارجية للنظام.

كيف يُطلب من أبناء الشعب التوجه للاستفتاء على مسودة الدستور الذي يكبت حرياتهم ويهمشهم ، وهم تحت النار ، والقوات العسكرية والأمنية والمرتزقة للنظام تستبيح البلاد طولاً وعرضاً ، وتمارس القتل والاعتقال والتعذيب والملاحقة والنهب، في جميع المدن والبوادي والأرياف .

أيها الشعب السوري العظيم :

اجعل يوم الاستفتاء على دستور الحاكم يوم عصيان مدني شامل .

تمهيداً لإسقاط النظام بكامل أركانه ورموزه ومخرجاته.

الدستور السوري دستور سلطة لا دستور دولة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

تمرير للأعلى