سيف اﻷسد

منذ بداية الثورة السورية، تحرك نظام الأسد في اتجاهين، نحو الداخل و الخارج. الداخل “لقي نصيبه” من القمع الدموي و العنف الأعمى. أما الخارج فقد تعامل معه الأسد بتعالٍ و بعنجهية يدفعان للتساؤل عن مصدر “قوة” النظام و عن داعميه الحقيقيين.

أوروبا “تم محوها” من الخارطة، هكذا ببساطة. أما تركيا اردوغان، و التي نالت النصيب اﻷكبر من “هدايا” اﻷسد، فقد تلقت الصفعة تلو اﻷخرى. فبعدما أعاد النظام لواء “اسكندرون” السليب ٳلى الخارطة السورية، علّق العمل باتفاقية التبادل الحر مع تركيا،  هذه الاتفاقية التي كانت تسمح للأتراك باستباحة الاقتصاد السوري، و بالمشاركة بفعالية، مع آل اﻷسد، في النهب المنظم لأرزاق السوريين و في تدمير الصناعات و الحرف السورية الصغيرة، لصالح حيتان النظام و رجال اﻷعمال اﻷتراك.

بعدها، أرسل اﻷسد جيشه العرمرم ٳلى حدود الجار الشمالي، تاركاً جبهته مع “العدو” اﻹسرائيلي فارغة ٳلا من بضع فرق تكفي لضمان سلامة و راحة بال “العدو” الصهيوني. اﻷسد أرسل ٳلى الحدود مع الجار المسلم أحدث أسلحته، بما فيها صواريخ مضادة للطائرات، هي ذات الصواريخ التي لم يستعملها حين حلّق الطيران اﻹسرائيلي “المعادي” فوق قصر اﻷسد و حين قُصف طيران العدو موقع الكبر في دير الزور!

أردوغان تلقى صفعة ثانية حين “تفاهم” نظام اﻷسد مع المافيا التركية ومع ضباط استخبارات أتراك من الطائفة العلوية لخطف المقدم المنشق “حسين الهرموش”،  ثم، خلافاً لمبدأ “ٳذا بليتم بالمعاصي فاستتروا” قام بعرض مقابلة مع المقدم المخطوف، دون مبالاة باﻹهانة التي ألحقها بالنظام التركي. بفعلته هذه أظهر نظام اﻷسد قدرته على عقد الصفقات مع العصابات (هذه المرة على مبدأ ٳن الطيور على أشكالها تقع) و قدرته على تحريك أفراد من الطائفة العلوية في تركيا، ممن يعتبرون انتماءهم الطائفي أهم و أبقى من انتمائهم الوطني وهو ما يشكل صدعاً واختراقاً خطيرين لبنيان الدولة الاتاتوركية.

ماذا فعلت تركيا ﻹغضاب اﻷسد غير ٳطلاق تصريحات رنّانة و غير استقبال لاجئين سوريين لم تسمح لوسائل اﻹعلام بزيارتهم؟ تركيا لم تحرك جنودها ولا هي فعّلت اتفاقية أضنة حقناً لدماء السوريين و لم تدع لتنحي اﻷسد، مع ذلك بادرها اﻷسد بالعقاب وبالتهديد، وهو ما لم يفعله اﻷسد اﻷب في 1998 حين هددت تركيا حينها وحدة التراب السوري، أيكون الحفاظ على النظام أهم من الحفاظ على استقلال البلاد؟

النظام السوري الذي يعاقب حليفاً سابقاً وجاراً مسلماً بهذه الشدّة، والذي يستعمل السلاح بضراوة حتى في وجه مواطنيه، لا بد له أن يكون شديد البأس تجاه عدوه التاريخي. ٳسرائيل الغاصبة التي تحتل الجولان منذ نيف و أربعين عاماً لا بد أنها تلقت من الصفعات و من الرسائل الدموية ما يشيب له الولدان، فما هي رسائل اﻷسد الموجهة لدولة “العصابات الصهيونية”؟

النظام أرسل منذ اليوم الأول للثورة ٳشارات على لسان “رجل اﻷعمال العصامي” رامي مخلوف تفيد “أن أمن سوريا النظام من أمن ٳسرائيل وأن لا هدوء في تل أبيب ما لم يعم الاستقرار في دمشق”. ثم أتبع النظام هذه الرسالة، شديدة اللهجة، بٳرسال جحافل من المواطنين السوريين و الفلسطينيين العزل ٳلى الحدود، في حين أرسل جيشه ٳلى داخل المدن السورية!

ٳسرائيل لم ترتعد خوفاً من هذا الغزو اﻷعزل، بالعكس، انتهز نتانياهو الفرصة لتحسين وضع حكومته و ﻹظهار صرامته مع العرب مع استدرار تعاطف العالم معه في وجه الاستفزاز السوري! ماذا كسب النظام السوري حين قتل جيش الاحتلال اﻹسرائيلي المواطنين العزل و المغرر بهم؟ النظام السوري أفهم “أولياء اﻷمر” في العالم أن ٳدانة قتله للسوريين لن تمر دون ٳدانة القتل اﻹسرائيلي المشابه، وهو ما لا يرغب به “العالم الحر”. هكذا أكّد النظام على “وحدة مصيره” مع مصير الكيان الصهيوني.

النظام اﻷسدي أتبع خطوته التكتيكية الجسورة هذه بأخرى إستراتيجية و اعترف بدولة فلسطين في حدود 1967 قبل أن يطلب منه أحد ذلك. بما يعني اعترافه بٳسرائيل وفق ذات الحدود ودون أي مقابل مثل اشتراط عودة ٳسرائيل ٳلى هذه الحدود أو حل مشكلة اللاجئين.

في الملف الفلسطيني، “خالد مشعل” أعلن، ومن دمشق، ٳتمام صفقة ٳطلاق سراح الجندي شاليط، بوساطة مصرية و برضا الراعي السوري، مقابل ألف سجين فلسطيني من ضمنهم جولاني واحد. هذه الصفقة التي تعثرت لسنوات “تحلحلت” بقدرة قادر حين طرح محمود عباس طلب عضوية فلسطين في اﻷمم المتحدة. تخرج  حماس، صديقة إيران ونظام الأسد، من هذه المقايضة معززة وفي صورة المنتصر. أي هدية أفضل لنتانياهو من ٳظهاره بصورة الرجل القابل بالتفاوض و بالحلول الوسط ، مع ٳضعاف أبو مازن بنفس الوقت. اردوغان لم يحظ بهذه المعاملة التفضيلية.

لعلها محض مصادفة أن تتدهور علاقات تركيا مع ٳسرائيل طرداً مع ارتفاع نبرة رسائل اﻷسد الدموية ﻷنقرة، لعلها أيضاً صدفة أن الحراك اﻷسدي تجاه ٳسرائيل جاء برداً و سلاماً على الطرفين، لعلها أيضاً صدفة أن الجيش السوري تنقّل بكل حرية قرب الجولان دون أن تحرك ٳسرائيل ساكناً، في حين اصطاد جيش الاحتلال كل المدنيين الذين اقتربوا من الحدود. لعلها أيضاً صدفة أن خط وقف ٳطلاق النار في الجولان هو أهدأ “حدود” ٳسرائيل بما فيها الحدود اﻷردنية و المصرية المرتبطة باتفاقية سلام مع “العدو” اﻹسرائيلي.

يا لمحاسن الصدف، وهي كثيرة حين يصل اﻷمر ٳلى علاقة النظام السوري مع ٳسرائيل. لكن، ماذا ٳن لم تكن كل هذه “محض مصادفات”؟

ماذا ٳن كان اﻷسد يضرب بسيف “نتانياهو” مثلاً؟ ألا يفسر ذلك مصادفات أخرى، مثل عقم الحراك العربي و عجز مجلس اﻷمن عن استصدار أدنى ٳدانة لمجازر اﻷسد، تماماً كما هو الحال حين يتعلق اﻷمر بٳسرائيل.

سوريا وشعبها حتماً ضحية مؤامرة، لكن هل يمكننا أن نستبعد احتمال أن يكون النظام اﻷسدي هو المؤامرة؟

د أحمد الشامي

ahmadshami29@yahoo.com

http://www.elaphblog.com/shamblog

Scroll to Top