الضحية الخجلى والجلاد الوقح

يان غيفلك الروائي الفرنسي الرائع، قال عني في أحد كتبه: أنت من القلوب التي تستسمح جلاديها. طبعا بيننا دهر يفصلنا وقارات تحجب بيننا، ولم يسمع بي، لكنه أحس بي وعبر عما في داخلي كثيراً، هذه هي ميزة الكاتب العظيم..

أليس من المدهش أن تفقد كل أصدقائك الذين هم من طيف واحد، وأن يتم إلغاؤك من صفحاتهم وذاكرتهم والبومات صورهم. لم تكن العلاقة بيننا يوماً ما منصفة، وتقبلتها طيلة عقود، وعندما بدا لهم أني أبحث عن شيء من الإنصاف، أداروا ظهورهم… حتى في الفترة الأخيرة كنت أحاول أن أتفاهم معهم، أن أدعوهم لعلاقة منصفة بقرار مشترك، مع كثير من الشرح لئلا نخسر الزمن الذي ضمّنا في منعطفاته ومساربه المتعددة، أخوة بدرجتين مختلفتين من المواطنة. أيعقل أن تخجل الضحية من جلادها وهو بكل صلف يدير ظهره لعهد جديد وصداقة لا تشوبها الامتيازات والتمايزات…

لم أستعن بكم يوماً واحداً في سبيل تحصيل ما يسلب مني من حقوق، ولم أتزلف ولم أداهن، وفقدت الكثير الكثير مثلي في ذلك مثل كل المواطنين في هذه المساحة المقهورة، حيث أمة بأكملها تذل من أجل امتيازات لقلة قليلة. وكنتم دوماً تتبجحون بما تستبيحونه من امتيازات وإتاوات وواسطات ليست لكم… ومع ذلك كله وقفت أمامكم أطلب منكم أن نزيل الشوائب من صلاتنا، بينما أدرتم وجوهكم بصيغة: (ما كانش العشم!!).

واعلم أنكم في قرارة نفسكم تتهموني بالجحود والنكران والخيانة والطائفية، وما كان من فضل لكم علي لأنكره أو لأجحده، ولا تنكرت لصداقة بقيت عقودا غير منصفة وآن لهم أن تستقيم، ولا يمكن لمن يرفض الفعل الطائفي أن يكون طائفياً. كان جديراً بكم تقديم الاعتذار تلو الاعتذار، وأن تسابقوني إلى التخلي عن عهد سقيم..

نعم لطالما تنعمتم على حساب أخوتكم، ولطالما تبخترتم بما حبيتم به، ولطالما فسرتم الحق والعدالة في أن تنالوا الاستثناء تلو الاستثناء، وأن تكونوا فوق القوانين، ولا تدفعون رسماً إلا بشق الأنفس، بينما أخوتكم أرهقتهم الرشاوى والإتاوات والضرائب الرسمية وغير الرسمية (بدون فاتورة).

أعلم أنكم سترددون على أسماع زوجاتكم وأولادكم حكايات عن خيانات الأصدقاء، ويؤسفني بحق أن ألا ألتقيهم كما كنت ألتقيهم من قبل أهلاً لي، بكل تأكيد سأشتاق لكم ولهم كما أشتاق لأهلي، وسأحاول أن أتفهم صعوبة التخلي عن الامتيازات، فقط كنت أتمنى أن تسمعوني جيداً، لتدركوا أنكم لن تفقدوها، إنما لن تكون على حسابي، ولا على إكراه عني أو مني. وسننعم بها جميعاً في وطن يغتسل من إحنه. سننعم بها جميعا دون أن نضطر لعبادة فرد، أو موالاة طغيان. سننعم بها مواطنين شرفاء، بدلاً من أن تحصلوا عليها منقوصة ومغموسة بذل التبعية، ونحرم منها، مع كم هائل من الذل والقمع والاضطهاد، فإن لم يطلكم اضطهاد، فليس أقل من مداهنة الغاشمين الفجرة.
أليس عجيباً، أن أدان لأني مللت ثقلكم على كتفي وأن أطلب منكم بكل أدب التنحي عن كاهلي، وأنتم تغضبون وترمونني بالخيانة والتمرد… وتديرون ظهوركم لعمر من المداراة والتساهل والتفهم…

أشك في أنكم ستكلفون أنفسكم قراءة ما نكتب أو سماع ما نتحدث به، أو رؤية ما نتعرض له، إنما ستكتفون بما يروجه النظام وما يكرره إعلامه المشغول بالعلكة، فنقد الذات فضيلة لا يمتلكها النفعيون…

جغرافية الصداقات تتغير اليوم بشدة وبشكل جذري، فقط من أجل حلم بالعدالة… نخسر الكثير ممن ربما كان علينا أن نخسرهم مبكراً لئلا يخسروا أنفسهم ويخسرونا…

يحدونا أمل ألا تهون عليكم ايام العشرة، وألا تتنكروا للقيم التي طالما تحدثنا عنها، والحرية التي طالما تغنينا بها، والكرامة التي توخيناها دوماً… وأن تقفوا موقف حق يمسح كل شوائب ماضينا..

الضحية الخجلى والجلاد الوقح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

تمرير للأعلى