تطبيق قواعد التحليل السياسي العلمية على الثورة التونسية الشعبية

الثورة التونسيةمر يوم أمس والعيون متسمرة على شاشات الفضائيات تتابع ما جرى ويجري من أحداث مريعة في تونس، واليوم حان الوقت للبدء بتحليل هذا الكم من المعلومات والأخبار، من أجل الوقوف على حقيقة ما جرى وما يُراد أن يجري، وقد تكلمنا في موضوعات سابقة كثيرة حول كيفية فهم وتحليل الواقع السياسي خاصة الأحداث الكبيرة، ولدينا الآن حادث من أكبر الأحداث حجما وتأثيرا ويجب فهمه جيدا وإدراك أبعاده وما وراءه، وما هي نتائجه؟ وما هو أقرب تحليل لحقيقة ما جرى؟ وقد ذكرنا في موضوع سابق قواعد وخطوات الحصول على التحليل السياسي المحايد لحدث كبير مثل هذا، دعونا الآن نطبق تلك القواعد في محاولة للوصول إلى أقرب النتنائج إلى الحقيقة إن شاء الله.

 

القاعدة الأولى والثانية: اعتمد على أكثر من مصدر للخبر، إفصل بين رأي المحلل أو الكاتب وبين الحدث نفسه.

نلاحظ أن تركيز التغطية الإخبارية يختلف من قناة إخبارية إلى أخرى، وهو اختلاف ليس كبيرا بقدر اختلاف التحليل والرؤية التي تركز عليها القناة، فالبعض يذكر ويتابع الأحداث ويركز على الأحداث بحد ذاتها، والبعض الآخر يركز كثيرا في تقاريره الإخبارية على تشجيع الشعوب العربية على أن تحذو حذو الشعب التونسي، دون أي تفريق بين نظام عربي ظالم وآخر أقل ظلما وآخر لا بأس به، حيث نجد تركيزا كبير على هذا الجانب ليس فقط في آراء المحللين المستضافين بل في صميم التقارير الإخبارية، والآن يجب أن نعزل الأحداث والأخبار بحد ذاتها عن رأي وتوجه المصدر الإخباري، ثم نعمل على دراسة ها الرأي بمعزل عن التأثير العاطفي للأحداث.

القاعدة الثانية: معايير التحسين والتقبيح في تحليل الحدث: لكي يتيسر لنا الوصول إلى معرفة واقعية حقيقية لحسن أو قبح الحدث بشكل قطعي لا يكتنفه غموض ولا تشوبه شائبة، فإن علينا أن تعرض أثر الحدث أو تلك الدعوة على الأصول الخمسة للحياة الإنسانية وهي: الدين والنفس والنسل والعقل والمال، فإن وجدنا أن هذا الحدث أو تلك الدعوة  كان حافظاً صائناً لهذه الأصول، فيمكننا أن تحكم على الحدث بالحسن والإيجاب، أما إذا وجدناه مضيعاً ومهدراً لأصل أو أكثر من تلك الأصول فإنه يجب علينا أن تحكم عليه بالقبح والسلبية.

في حالتنا هذه نجد أن عملية التخلص من النظام التونسي قد حصلت وانتهى الأمر، وقد كلفت عشرات من الأرواح، وأهلكت كثيرا من الممتلكات وأعقبها فوضى، لكنها تخلصت من نظام حكم يساري ماركسي متلون بالعلمانية، وهو أشد ظلما وسوءا من الثورة بشكل حقيقي وليس مجرد ترويج إعلامي، وبقياسها على الأصول الخمسة نجد أنها ضحت ببعض الخسائر للتجنب الاستمرار في تقديم الخسائر، أما قياس هذا على الأنظمة العربية الأخرى بشكل فوري وبدهي فهي مغالطة كبرى، وتحتاج إلى دراسة علمية واضحة دون أي تأثر بالتركيز الإعلامي ضد نظام دون آخر، فمثلا الظلم في النظام الليبي والسوري أشد في حقيقته بعشرات الأضعاف من الظلم في النظام المصري، هذا من ناحية قياس الكم والنوع، ولكن الإعلام يركز أكثر بعشرات الأضعاف على النظام المصري، فتكون النتيجة هي أن الشعوب العربية تكره النظام المصري أكثر من النظام الليبي والسوري، ولكن يجب علينا أن نقدم الحقيقة للشعوب بحجمها الحقيقي وليس الوهمي.

القاعدة الرابعة: ميّز بين العقل و العاطفة في تفسير الحدث: لا يجوز أن تأخنا الفرحة الغامرة بمثل هذا الحدث التاريخي الاستثنائي إلى درجة ننسى ما يجب علينا التفكير به من موازنة للمصالح والمفاسد وأصول الفقه السياسي، وإلا أصبحنا غوغاء وغثاء يأخذنا السيل أينما يريد ونحن في سكرة الفرح، ثم بعد السكرة تأتي الفكرة ولكن بعد فوات الأوان، نعم لنفرح، لكن لا ندع هذا الفرح يسكر عقولنا، فهناك أعداء متربصين بنا.

القاعدة الخامسة: الإعتماد على دراسة العقيدة والأيديولوجيا في الحكم على الأفراد  والأنظمة والجماعات: يخطئ من يظن أن المصالح أو أي عوامل أخرى قد أصبحت أكثر أهمية من العقيدة والأيديولوجيا في تحليل وتوقع أفعال الأفراد أو الهيئات والجماعات والدول، كما يخطئ كثيرا من يعتمد على المظاهر الخارجية أو الأقوال أو حتى الأفعال، وذلك لإمكانية المخادعة فيها بقصد التضليل، أما العقيدة أو الأيديولوجيا فهي المعبر الحقيقي عن الدوافع والأهداف، مع الأخذ بعين الاعتبار أنه يجب توخي الدقة والحذر ودراسة العقائد أو المبادىء من مصادرها الأصلية وليس من الشعارات التي يطرحا أصحابها فقط، لأن الكذب و التقية هي أصل من أصول الأفكار والحركات الهدامة، ومن أبرزها اليهودية والصهيونية والرافضة والحركات اليسارية الثورية بمختلف مسمياتها، وبعض الحركات العلمانية والليبرالية التي تضمر الأيديولوجيا الشيوعية.

هذه القاعدة تكاد تكون أهم قاعدة للتحليل السياسي، وفي حالتنا هذه أشد ضرورة للحكم على النظام التونسي السابق، وللحكم على الأشخاص والأحزاب الذين سيطروا على الحكم أو الذي سوف يسيطرون، كما هي قاعدة مهمة جدا للتمييز بين طبيعة نظام حكم وآخر، وهل الأفضل الثورة على هذا النظام أم ذاك، طبعا مع تقدير للمصالح والمفاسد، وبدراستنا للأنظمة العربية دراسة علمية نجد أنها نوعين:

1- أنظمة حكم إسلامية أو علمانية ليس لها توجه أيديولوجي محدد وتوصف عادة بأنها معتدلة، وهي متشبثة بالسلطة وديكاتورية بعض الشيء، لكن التركيز الإعلامي ضدها يجعلنا نظنها هي الأكثر ديكاتورية.

2- أنظمة يسارية أو اشتراكية ذات أيديولوجيا مستمدة من الماركسية مع تعديلات متعددة لتلائم العالم العربي والظروف العالمية والاقتصادية الجديدة، وهذه الأنظمة في واقع الأمر أشد ظلما وقهرا واستبدادا بأضعاف الأنظمة المعتدلة، لكن غياب التركيز الإعلامي عنها يجعلنا نظنها أقل ديكتاتورية حتى شعوبها التي تعاني منها الأمرين تظن أن الأنظمة المعتدلة أشد ظلما منها من كثرة التركيز الإعلامي عليها.

الأنظمة العربية المعتدلة:

1-    النظام السعودي: نظام إسلامي ملكي وراثي.
2-    النظام المصري: وهو نظام قائم على حزب حاكم ديمقراطي في السماح بالتعبير عن الرأي، لكنه ديكاتوري نوعا ما في سياساته.
3-    الأنظمة الخليجية وهي كلها ملكية وراثية معتدلة، عدا النظام القطري فهو في حالة أقرب إلى الأنظمة اليسارية الماركسية.
4-    النظام اليمني الحالي بعد الوحدة.
5-    النظام الأردني: نظام ملكي وراثي نيابي.
6-    السلطة الفلسطينية بقيادة منظمة التحرير.
7-    الجمهورية اللبنانية من عدا حزب الله وتيار عون فهو تابع للأنظمة اليسارية.

الأنظمة العربية اليسارية:

1-    النظام العراقي الحالي بسيطرة إيران عليه.
2-    النظام السوري البعثي الاشتراكي، الدائر في الفلك الإيراني.
3-    النظام الليبي الاشتراكي.
4-    النظام السوداني بقيادة البشير، حيث علاقاته كبيرة مع إيران والصين، وأيضا النظام الجنوبي نظام يساري ماركسي الجذور.
5-    النظام الموريتاني بعد الانقلاب العسكري الأخير.
6-    النظام التونسي وهو نظام يساري متلون يتظاهر بالعلمانية وله صلات بالغرب، لكنه جذوره ماركسية.
7-    النظام الجزائري وهو غامض لكن يبدو أنه أقرب لليسار والماركسية.
أما النظام المغربي فهو نظام ملكي غامض يصعب تصنيفه مع أي اتجاه هو.

وبناء على هذه الدراسة فإن سقوط أي نظام يساري واستبداله بنظام إسلامي معتدل أو على الأقل نظام معتدل هو خطوة إيجابية جدا تقلل من الظلم والاضطهاد الواقع على شعبه، وبالمقابل فإن سقوط أي نظام معتدل واستبداله بنظام يساري هي جريمة تاريخية كبرى بحق شعبه، فينبغي هنا التنبه جيدا لما يُقال ويُشاع حول تمني أن تكون الثورة التونسية شرارة سقوط كل الأنظمة العربية، وذلك لأن أغلب الثورات والانقلابات ينتج عنها أنظمة يسارية ماركسية، فإذا كانت أغلبية الأنظمة العربية ليست ماركسية، فتحولت أغلبيتها إلى ماركسية فلن نكون قد حصلنا على التحرر المطلوب، بل ذهبنا إلى مزيد من الهاوية والحضيض.

ولننتبه جيدا ونفتح أعيننا تماما إلى تربص إيران بالحالة العربية لتنقض عليها، ولا ننسى أن إسرائيل أيضا تنتظر مثل هذه اللحظة لتنقض هي الأخرى وتقتسم كعكة الأرض والشعوب العربية مع إيران.

موضوع آخر ذو صلة:

تحليل نتائج الثورات في ضوء فقه الواقع ودروس التاريخ

تطبيق قواعد التحليل السياسي العلمية على الثورة التونسية الشعبية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

تمرير للأعلى