موقف السعودية من السلام ومبادراة التطبيع الإماراتية

احتدم الجدل وكثر تبادل الاتهامات، على خلفية المبادرة الإماراتية للتطبيع مع إسرائيل، وخصوصًا بعد سماح السعودية للطائرات الإسرائيلية بالوصول إلى الإمارات عبر أجوائها، هنا يحسن القيام بوجوب توضيح القضية بأكلمها، فإن استمرار الغموض سبب من أسباب النزاع والشقاق، في هذا المقال ليس الهدف هو الحديث المبادرة الإماراتية، ولكن توضيح الموقف من عموم عملية السلام برمتها، وكيف يمكن أن تكون مفيدة أو غير مفيدة بحسب الحالة، فباختصار شديد، فإن عملية السلام العربية مع إسرائيل هي أفضل الممكن في الظروف الدولية الحالية وموازين القوى، فإن السياسة هي فن تحقيق الممكن، كما أن السلام من شأنه أن يساعد في إنهاء حالة التخلف العربية ويطلق الإمكانات الحضارية، ما يجعل من العرب قوة كبرى عالميًا. ولمزيد من التفاصيل يمكنك الرجوع إلى موضوعات سابقة نشرناها في هذا الموقع:

القضية الفلسطينية و عملية السلام

مشروع المقاومة مرتبط بإسرائيل

تاريخ المشاركة السعودية في دعم القضية الفلسطينية وعملية السلام

كما تحدثنا سابقًا، عن أهمية عملية السلام المعلنة رسميًا والمتفق عليها، والتي تعود بفوائد على مجمل المجتمع والدولة وكذلك على الشعب الفلسطيني، فهنا نجد أن السعودية من الدول المشاركة في كل من مبادرات السلام وكذلك في الحروب العربية ضد إسرائيل، سواء بالدعم المالي أو الاقتصادي، كما فعلت السعودية بمقاطعة تصدير النفط إلى الدول الغربية في فترة حرب أكتوبر المصرية ضد إسرائيل بقيادة أنور السادات سنة 1973.

ثم كانت أول مبادرة سعودية للسلام سنة 1981، والتي قام بطرحها ولي العهد السعودي في ذلك الوقت الأمير فهد بن عبد العزيز آل سعود، لإيجاد مخرج يساعد في حل مشكلة الصراع العربي الإسرائيلي المزمنة، مع الحرص على تأمين أكبر قدر ممكن من حقوق الشعب الفلسطيني، وتقوم هذه المبادرة على بعض الأساسات التي من أهمها:

  • تراجع إسرائيل عن احتلال جميع الأراضي العربية إلى حدود سنة 1948، بما يشمل القدس.
  • تفكيك المستعمرات الصهيونية في الأراضي المحتلة سنة 1967.
  • كفالة حرية العبادة وإقامة الشعائر الدينية في كافة الأماكن المقدسة لجميع الأديان.
  • تفعيل حق المهجّرين في العودة وتعويض من لا يرغب بذلك.
  • إقامة دولة فلسطينية مستقلة على كافة أراضيها وعاصمتها القدس.
  • ضمان الأمم المتحدة بتنفيذ هذه الاتفاقية مع التأكيد على عيش دول المنطقة بسلام.

إلا أن السعودية اضطرت تحت الضغوط الهائلة إلى سحب هذه المبادرة في قمة فاس العربية، وذلك لأسباب كثيرة، من بينها كان عدم كفاية الوعي العربي بأهمية وفائدة عملية السلام.

مبادرة السلام العربية

في سنة 2002، أطلق الملك عبد الله بن عبد العزيز ما عُرف بالمبادرة العربية للسلام بين إسرائيل والشعب الفلسطيني في القمة العربية المعقودة في الكويت، حيث قد أصبحت الأجواء عربية مهيأة أكثر من ذي قبل، إلا أن تأخر الوقت عن المبادرة السابقة كان في غير صالح العرب، حيث قد ازدادت المستوطنات وأصبح الوضع القائم أكثر صعوبة في تغييره، وقد حصلت هذه المبادرة على تأييد عربي كبير حتى أنها سميت بالمبادرة العربية، وقد تبنتها الجامعة العربية بحيث أصبح الوصول إلى اتفاقية سلام هو الخيار الاستراتيجي للمرحلة.

وبهذا تم التأكيد بإجماع عربي على ضرورة تطبيق مبدأ الأرض مقابل السلام، حيث تزعم إسرائيل أنها تسعى للسلام، فيجب أن تعيد الأرض مقابل الحصول عليه، وذلك بتنفيذ قرارات مجلس الأمن (242 و338)، وقرارات مؤتمر مدريد عام 1991، بما يؤدي لقيام دولة عربية مستقلة وذات سيادة في فلسطين وعاصمتها القدس الشرقية، وفي مقابل ذلك تحصل إسرائيل على السلام ويتم تطبيع العلاقات العربية والإسلامية معها بشكل كامل. ويمكنك العودة أيضًا إلى هذا المقال لمزيد من التفاصيل:

فوائد استمرار عملية السلام ومبادرة السلام العربية

مشكلة عملية السلام والتعنت الإسرائيلي

لم تسر الأمور على ما كان يجب أن تسير عليه، فحتى بعد أن اختار العرب ممثَلين بالجامعة العربية عملية السلام كخيار استراتيجي، استمرت إسرائيل بالتهرب والمماطلة، وساعدها في ذلك خروج البعض عن الصف بمساعدة ودعم من قوى شيوعية سابقًا مثل روسيا واليسار الماركسي، وكذلك بمساعدة من إيران، حيث إن استقرار العالم العربي الناتج عن السلام لا يساعد هذه الأيديولوجيات على النمو والازدهار، فهي تحتاج لاستمرار الصراعات واستمرار التخلف والجهل والفقر، وهي تتاجر كذبًا بالمقاومة وترفع شعارات كاذبة بتحرير فلسطين وتدمير وسحق إسرائيل، لتدغدغ بذلك عواطف الشعوب دجلًا عليهم ليس إلا.

وبسبب ذلك استفادت إسرائيل كثيرًا في الحصول على مزيد من الدعم والتعاطف الغربي والأمريكي في مواجهة هذه القوى المقاومة لها، رغم أنها ضعيفة أو وهمية، وتغاضى الغرب بحجة ذلك عن استمرارها ببناء المستوطنات في الضفة، وأصبح بذلك الوضع العربي حرجًا، وتم تتويج ذلك باستيلاء حركة حماس على قطاع غزة ثم قيامها بشن الضربات الصاورخية الفارغة من الفاعلية على إسرائيل، مع ما صاحب ذلك من حروب بينها وبين حزب الله في جنوب لبنان، كل ذلك ساعد إسرائيل في الهروب إلى الأمام من استحقاقات علمية السلام، ثم قامت ببناء جدال العزل والفصل العنصري ليكون كأمر واقع، وماطلت وتعنتت في مفاوضات جميع مبادرات السلام، حتى وصلت الدول العربية إلى مرحلة الربيع العربي التي أشغلتهم كثيرًا، وفي النهاية قررت إسرائيل بعد فشل أمريكا في فرض صفقة القرن أن تقوم من طرف واحد بإعلان ضم الضفة الغربية إليها، وذلك بعد أن لم يعد بإمكان العرب فعل شيء لوقف ذلك.

مبادرة التطبيع الإمارتية وموقف السعودية منها

في هذا الوضع الصعب، خرجت الإمارات عن الإجماع العربي، كما سبق لمصر وبدأت منفردة بعملية السلام في وقت كان الإجماع العربي فيه منعقدًا على رفض أي سلام، وربما أن الإمارات تعول على تحول الموقف العربي لاحقًا كما تحول سابقًا وأصبح موافقًا لما قامت به مصر، وأيًا يكن الأمر، فإنها اشترطت مقابل السلام والتطبيع الحصول على مكاسب للشعب الفلسطيني، ومن أبرزها إيقاف عملية ضم الضفة الغربية، وهذا لا يمكن الحكم عليه إلا من خلال وجود اتفاقية ملزمة وحقيقية في ذلك، حيث تساعد هذه في إنقاذ مشروع الدولة الفلسطينية وتحصيل أكبر قدر ممكن من الفوائد، وبخاصة أن الإمارات دولة قوية اقنصاديًا ويمكنها التأثير بشكل أو بآخر.

لم يكن الموقف السعودي محددًا من المبادرة الإماراتية، ولكنها أعلنت بأنها لن تقبل بأقل من ثمن إقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس مقابلًا للسلام مع إسرائيل، ونظرًا للصعود الكبير في وضع السعودية اقتصاديًا وزيادة ثقلها الإقليمي والصناعي والحضارية في السنوات الأخيرة مقارنة بفترة طرحها للمبادرة العربية، فإن من المتوقع أن يكون لها أثر كبير في الضغط على إسرائيل في هذا الاتجاه، وذلك بتوفر أوراق جديدة في يدها، ورغم أنه ليس من المضمون نجاح هذه الأوراق، إلا أنه على الأقل قد تنجح في تحريك القضية من جديد ووضع إسرائيل تحت الضغط مجددًا، وفي هذا الإطار جرت من عدة أيام لقاءات سعودية تبحث آفاق عملية السلام مع الجانب الأمريكي.

زاهر طلب – كاتب وباحث
7/9/2020

Scroll to Top