أهم الأمور لمعرفة الواقع بشكل صحيح جزء 2

كتاب الفقه السياسي

أمور مهمة لفهم الواقع

الكذب: الكذب هو عكس حقيقة الخلق، أو عكس الواقع، وهو من أقبح الأخلاق الذميمة، ومصيبة المصائب، وأشنعه ما كان عن قصد. قال تعالى:

(وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً( [الاسراء:36].

(وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ) [النور:7].

(فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ)    [آل عمران:61].

(وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) [آل عمران:95].

وجاء في الأحاديث:

((ثم إن الصدق يهدى إلى البر، وإن البر يهدى إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب صديقا. وإن الكذب يهدى إلى الفجور، وإن الفجور يهدى إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا)) [متفق عليه].

((ثم أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن، كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا أؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر)) [متفق عليه].

((إن من أعظم الفرى، أن يدعيَ الرجل إلى غير أبيه، أو يري عينه ما لم تره، أو يقول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقل)). [رواه البخاري].

أنواع الكذب: يقسم الكذب من جهة قائله إلى قسمين هما:

الكذب المؤسسي: هو الكذب المنطلق من عقيدة، أو مبدأ، أو دين، مثل الكذب في الديانة اليهودية المحرفة التي تجيز الكذب لأتباعها في تعاملهم مع غيرهم، سواء كان ذلك لجلب منفعة أو درء مفسدة، بل هو عندهم قربى يتقربون بها إلى الله بزعمهم. ومثلها العقيدة الإمامية الباطنية التي تتخذ الكذب والتّقيّة ديناً، بل فيها ـ على حد زعمهم ـ تسعة أعشار الدين.

وأما الكذب في المبدأ الاشتراكي الصهيوني فهو الركيزة الكبرى عندهم. فأصحاب هذا النوع من الكذب يعاملون بالحذر الشديد، وتُحْمَل دعواهم على مبدأ المواراة والمداهنة واللف والدوران، ومن جهة هؤلاء يكون الخوف والاحتراس لباطنيتهم ولإفسادهم. فلو قالوا: ((نحن مع السلام أو نحترم الحريات الدينية أو أننا ننبذ الإرهاب)) وأمثال ذلك من الكلام الحسن، فلا يجب علينا قبول زعمهم وتصديقهم، بل علينا حمل هذه التصريحات على المراوغة والخديعة، وإلا أصبنا بنار تضليلاتهم السياسية وغير السياسية. فصاحب هذا النوع من الكذب تراه منشرح الصدر راضٍ عن فعله، بل يتقرب إلى الله تعالى بكذبه. ولا يجوز حمل هذا النوع من الكذب على أنه شخصي، ككذب زعماء اليهود والاشتراكيين والشيعة الإمامية، ولو حملنا هذا الكذب المؤسسي على أنه شخصي لضللنا، فكيف بنا إذا صَدّقناهم؟

الكذب الشخصي: وهذا الكذب يصدر عن شخص يدين بدين يُحَرّم ممارسة الكذب بين أتباعه، ويحرم على أتباعه ممارسته على الآخرين([1]). ومن أمثلته، المسلم الذي يقع في جريمة الكذب، فالعاقل يُوَجّه الانتقاد إلى شخصه هو، لا إلى الدين الإسلامي الذي ينتمي إليه، ومن فعل ذلك فقد خلط الأمور وضلل الناس وأساء إلى الإسلام، وعلى هذا يقاس كل دين يحرم الكذب على أتباعه، كالنصرانية في الإنجيل. فصاحب هذا النوع من الكذب تراه يشعر بالذنب فيستغفر الله ويتوب إليه. إذن من الضلال البَيّنِ حَمْلُ الكذب المؤسسي على الكذب الشخصي، وبالعكس.

وعليه فمن ثبت كَذِبُه المؤسسي وجب ترك روايته والتحذير من مقولاته، خاصة إذا اتخذ من الكذب وسيلة لتحقيق أهدافه، كما هو الحال في اليهودية والمبدأ الاشتراكي والإمامية الباطنية.

وقد ذكر ابن تيمية عدداً من الطرق التي يُعلم بها كذب المنقول، منها:

((أن يَرْوي- أي الراوي- خلاف ما عُلم بالتواتر والاستفاضة، مثل: أن نعلم أن مسيلمة الكذاب ادعى النبوة، واتبعه طوائف كثيرة من بني حنيفة فكانوا مرتدين لإيمانهم بهذا المتنبئ الكذاب. وأن أبا لؤلؤة قاتل عمر، كان مجوسياً كافراً. وان أبا الهرمزان كان مجوسياً أسلم. وأن أبا بكر كان يصلي بالناس مدة مرض الرسول صلى الله عليه وسلم ويخلفه بالإمامة بالناس لمرضه. وأن أبا بكر وعمر دفن في حجرة عائشة مع النبي صلى الله عليه وسلم.

ومثل ما يعلم من غزوات النبي صلى الله عليه وسلم التي كان فيها القتال، كبدر وأحُد ثم الخندق ثم خيبر ثم فتح مكة ثم غزوة الطائف. والتي لم يكن فيها قتال كغزوة تبوك وغيرها. وما نزل من القرآن في الغزوات، كنزول الأنفال بسبب بدر، ونزول آخر آل عمران بسبب أحد، ونزول أولها بسبب نصارى نجران، ونزول سورة الحشر بسبب بني النضير، ونزول الأحزاب بسبب الخندق، ونزول سورة الفتح بسبب صلح الحديبية، ونزول براءة بسبب غزوة تبوك، وغيرها و أمثال ذلك.

فإذا روى في الغزوات وما يتعلق بها ما يعلم أنه خلاف الواقع عُلِمَ أنه كذب. مثل ما يروي هذا الرافضي، وأمثاله من الرافضة وغيرهم من الأكاذيب الباطلة الظاهرة في الغزوات كما تقدم التنبيه عليه. ومثل أن يعلم نزول القرآن في أي وقت كان. كما يعلم أن سورة البقرة وآل عمران والنساء والمائدة و الأنفال وبراءة نزلت بعد الهجرة في المدينة. وأن الأنعام والأعراف ويونس وهوداً ويوسف والكهف وطه ومريم واقتربت الساعة وهل أتى على الإنسان وغير ذلك نزلت قبل الهجرة بمكة. وأن المعراج كان بمكة. وأن الصُفّة كانت بالمدينة. وأن أهل الصفة كانوا من جملة الصحابة الذين لم يقاتلوا النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكونوا ناساً معينين بل كانت الصُفّةُ منزلاً ينزل بها من لا أهل له من الغرباء القادمين وممن دخل فيهم سعد بن أبي وقاص وأبو هريرة وغيرهما من صالحي المؤمنين وكالعرنيين الذين ارتدوا عن الإسلام))([2]).


(1) إلا في ظروف معينة مقيدة استثنائية.

(2) ((منهاج السنة النبوية)) (7/437- 438).

Scroll to Top