لماذا التركيز على تاريخ الدولة العثمانية فقط؟

انتشرت في السنوات الأخيرة العديد من المنشورات والرسائل في الواتساب، حول التاريخ العثماني العظيم في خدمة الإسلام والدفاع عنه، مثل قصة معركة موهاكس الأسطورية وغيرها. ومما لا شك فيه أنه كان آنذاك للأتراك العثمانيين دور عظيم في حمل الإسلام ونشره، بخاصة بفتح القسطنطينية وما بعده. لكن السؤال هو أنه لماذا التركيز على تاريخ الدولة العثمانية فقط؟ ألا يوجد بطولات لدول إسلامية أخرى عربية وغير عربية؟ هل كانت الفتوحات والمعارك الأسطورية عثمانية فقط طيلة التاريخ الإسلامي؟ ألم تنتهي الخلافة العثمانية أيضا إذا قيل أن تلك الدول قد انتهت؟ ولماذا التوجه لإحياء الخلافة العثمانية تحديدًا وليس الخلافة العباسية أو الأموية مثلا؟!

تجاهل التاريخ الإسلامي العربي

في خضم مثل هذه المنشورات وما تعداها، تلمس تجاهل عظمة وفضل التاريخ الإسلامي في ما قبل وبعد الدولة العثمانية، إذ تصور هذه المنشورات الأمر وكأن الإسلام بدأ من العثمانيين! وعلى الرغم من عدم تصريحها بذلك، لكنها تتجاهل حقيقة أن الشعب التركي بقي لزمن طويل يحارب المسلمين والدولة الأموية، ولم يدخلوا في الإسلام إلا بوقت لاحق، في الوقت الذي كان فيه العرب وغيرهم من شعوب مسلمة يسطرون أروع البطولات. كما يتم تجاهل أن العرب حاولوا عدة مرات فتح القسطنطينية وإن لم ينجحوا بذلك فقد أضعفوا الدولة البيزنطية إلى حد كبير، مما مهد للسلطان العثماني محمد الفاتح فتحها.

لقد كان قبول العرب والمسلمين بالحكم العثماني بعد فتح القسطنطينة ناشئ عن الفراغ الناتج عن انهيار الخلافة العباسية وتحولها إلى دول مماليك ضعيفة، لكن الوضع العربي الحالي والدولي مختلف جدا. حيث توجد حاليا الكثير من الدول العربية، وتوجد دول إسلامية أخرى لشعوب غير عربية، فما الذي يميز تاريخ الأتراك عن غيرهم إلى هذه الدرجة؟ ولماذا التبشير بفتوحاتهم وحدهم؟

تقسيم البلاد والحكم بغير الشريعة

إن القضية التي تُثار حول انقسام العالم العربي إلى دول كثيرة مقابل وحدة الدولة العثمانية وأنها كانت خلافة تحكم بما أنزل الله، هذه القضية رغم أنها محقة نظريًا إلا أنها عمليا وفي الواقع الحالي غير ممكنة، حيث إنه الآن توجد أكثر من دولة للشعوب التركية، جمهورية تركيا ودولة تركستان وغيرها، كما توجد أقليات تركية موزعة في العديد من الدول من الصين إلى العراق، فأين هي الخلافة التركية الموحدة التي يبشرون بها! ولا ننسى أن أقلية الإيغور المسلمة في الصين هي من العرقية التركية، ويتم اضطهادهم دون أن تستطيع باقي الدول التركية عمل الكثير لهم.

وإذا أضفنا إلى ذلك أن التاريخ يخبرنا بوضوح أن العالم العربي والإسلامي عموما قد انقسم إلى عدة دول بداية من الخلافة العباسية، حيث كانت فترات تعدد الدول العربية والإسلامية أكثر من فترات حكم الدولة الواحدة، عرفنا أنه أمر واقع رغم أنه مكروه، إلا أن له أسباب على أرض الواقع، وإن محاولة العمل على توحيد كل هذه الدول بالقوة والفتوحات العسكرية هي فتنة كبيرة واقتتال غير مبرر بين المسلم وأخيه.

أما قضية الحكم بالشريعة، ففي الواقع يجهل الكثيرون أن الحكم بغير الشريعة رغم أنه أمر مرفوض، فقد وقع في فترات مختلفة في التاريخ الإسلامي، ورغم عدم جواز الاحتجاج بالتاريخ لاستصدار أحكام شرعية، لكن النظر في الواقع والتاريخ يرينا أن الأمر حصل بشكل اضطراري، حيث بدأ ذلك حتى قبل سقوط الدولة العثمانية بحوالي قرن، وحتى قبل ظهور تنظيمات الدونمة، كما نجد تركيا حتى الآن لم تتمكن من عمل الكثير تجاه إعادة الحكم بالشريعة تحت حكم أردوغان، بل إن الدول العربية لا تزال تحكم بالشريعة أكثر من تركيا خاصة السعودية، وفي الأحوال الشخصية في غيرها. فماذا بقي من شيء يميز تركيا عن الدول العربية لتستحق كل هذا التركيز على نشر تاريخها؟

زاهر طلب

21/4/2020

لماذا التركيز على تاريخ الدولة العثمانية فقط؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

تمرير للأعلى