مستقبل أرض سيناء في ظل سيطرة الإخوان المسلمين

بداية لا تنظر عزيزي القاري إلى طول الموضوع، بل انظر إلى ترابطه وأدلته النظرية والواقعية.

يقول اليهودي يعقوب ريفيتين: ((سياسة السوفيت في الشرق العربي عظيمة الفائدة والنفع لنا، وستظهر ثمارها على أطيب شكل وأعظم المواقف لصالح إسرائيل))([1]). ويقول دافيد كوهين: ((كلما ارتفعت أسهم السوفيت وعقيدتهم الاشتراكية وسياستهم في المنطقة العربية، ازدادت إسرائيل سلاماً ورسوخا في المنطقة))([2]). ويقول اليهودي شالوم اسش: ((إن تعرض الحكم السوفيتي لأية هزة، يعني فناء اليهود))([3]).

هذه التصريحات  لبعض اليهود تبدو في أول وهلة، وخاصة لمن لا يعرف حقيقة العلاقة بين موسكو وتل أبيب، تبدو له أنها قائمة على الدجل والتضليل الإعلامي. ولكن بقدر من التعقل والتدبر، وبقدر آخر من قراءة الأصول والمراجع الكبرى اليهودية نكتشف الحقيقة التي تقول: ((إن الشيوعية كلما اشتدت وقويت وامتدت، قوي أمل إسرائيل في تحقيق الحلم الذي راود اليهود منذ آلاف السنين: مساندتها في إعادة بناء الهيكل وانتظار المسيح))([4]).

وكذلك القول: ((بفضل التقدميين([5]) العرب، استطاعت إسرائيل أن تقفز بعد ما تسلطت على القدس خطوات فِساحاً باتجاه هدفها الأول والأخير المستمد من التوراة والذي كان الشعلة التي بها تهتدي وتستنير منذ حوالي (2000) سنة، إعادة بناء هيكل سليمان الذي سيجلس على عرشه أمير من نسل داوود، وهو المسيح المنتظر، يجدد مجد إسرائيل ويسلطها على جميع الأمم والشعوب. ويكنس الأديان الأخرى: المسيحية والإسلام))([6]). والتقدميون العرب من وجهة نظر فؤاد كرم  هم: (الماركسيون، الشيوعيون، البعثيون، الاشتراكيون،القوميون العرب)، كما ورد في المصدر نفسه، (ص 62).

وجاء في بروتوكولات حكماء صهيون / 3 : ” إننا نقصد كما لو كنا المحررين للعمال، جئنا نحررهم من هذا الظلم، حينما ننصحهم بأن يلتحقوا بطبقات جيوشنا من الاشتراكيين والفوضويين والشيوعيين. ونحن على الدوام نتبنى الشيوعية ونحتضنها متظاهرين بأننا نساعد العمال “

هذا الكلام النظري أعلاه قد بُنيَ على مفاهيم وعقائد نظرية قوية، لها أساسها في التوراة والتلمود والبروتوكولات ليس هذا محل التفصيل فيه. ولا ننسى تصريحات الرئيس الروسي (بوتين) التي نطق بها أثناء زيارته لحائط المبكى في الشهر المنصرم، وادى خلالها طقوس الديانة اليهودية زاعماً أن “التاريخ اليهودي منقوش على حجارة القدس”.

فقد رأينا بأم أعيننا كيف قدم الماركسيون الاشتراكيون العرب لإسرائيل المبررات، وأوامر الانسحاب للجيوش العربية أمام العدو الصهيوني في حروبهم التي خاضوها بحجة تحرير الأرض العربية المحتلة. وعلى رأس تلك المبررات، التهديدات الصورية ذات الطابع الثوري ضد الوجود اليهودي في فلسطين، تلك التهديدات التي تستمد بها إسرائيل قوتها، وتتناظر بها مع الغرب كونها تندرج في نظرهم تحت باب (معاداة السامية)، وتصدر عن وكلاء الشيوعية في الوطن العربي. فقد ورد في البروتوكول رقم (9) من النصوص ما يبرهن على ذلك: ” وحين تقف حكومة من الحكومات موقف المعارضة لنا في الوقت الحاضر، فإنما ذلك أمر صوري متخذ بكامل معرفتنا ورضانا، كما أننا محتاجون إلى انفجاراتهم المعادية للسامية”. وجاء في البروتوكول (12): فان الصحف الدورية التي ننشرها سنظهرها كأنها معارضة لنظراتنا وآرائنا، فتوحي بذلك الثقة إلى القراء وتعرض منظرا جذابا لأعدائنا الذين لا يرتابون فينا، وسيقعون بذلك في شركنا. “أليست هذه النصوص النظرية التي نقرؤها ونراها مُطبقة على أرض الواقع توقظ النائم والمرتاب؟

ومن اعترافات الحزب الشيوعي الإسرائيلي: ((أن التصريحات المعادية لإسرائيل والوعيد بالقضاء عليها، تصريحات لابد للاشتراكية العربية أن تدلي بها بين آن وآخر، لتحتفظ لنفسها بالمركز القيادي في السياسة العربية، وبذلك تضمن المضي في التحويل الاشتراكي لكل الساحة العربية)) ([7]) .

هذا الأسلوب اليهودي القديم في السياسة الصهيونية، لا زالت إسرائيل تستخدمه مع شيء من التطوير والتحديث، فقد استطاعت أن تبرمج عقول فريق من المسلمين وتحقن أدمغتهم سياسياَ بالخط الثوري اللينيني إلى درجة عالية يشكلون به البديل عن الثورية الماركسية، فحملوا الراية الثورية من بعد أن تركها فريق من الماركسيين والمتأثرين بهم مثل حركة (فتح) التي نبذت الثورية وتحولت إلى المقاومة السلمية. فقد أشاد التقرير الصادر عن (معهد تخطيط السياسة للشعب اليهودي) لعام (2004)م الموافق (5764) عبرية، بالأصولية الإسلامية بتبنيهم “مشروع معاداة الغرب المسيحي الذي منح إسرائيل فرصة رائعة بالتماثل مع الغرب، والربط المقنع بين تفجيرات البرجين في 11 سبتمبر في نيويورك، وبين العمليات الانتحارية داخل إسرائيل”.

لذا فإننا نرى تحالفا كبيرا ضم كل من الأنظمة الشمولية الثورية والقوى اليسارية من جهة، وحركة الإخوان المسلمين من جهة أخرى كما هو واضح في تونس والمغرب والجزائر والأردن قبل بدء مرحلة الانفكاك، وغيرها، ولا ننسى تحالف حماس مع كل من إيران وسوريا الاشتراكيتين من قبل. بل وصل الأمر بالأصوات الماركسية إلى الدعوة للمحافظة على هذا التحالف وتعزيزه، وعدم الانطلاق – مرحلياً- من السياسات الاشتراكية القديمة المعادية للدين وللرجعية العربية، وتأجيل الصراع الثانوي ضد الإخوان المسلمين لصالح الصراع الرئيس ضد الغرب الرأسمالي وأمريكا.  هذا التحالف مبناه وأساسه يقوم على عدد من الأمور، منها موضوع البحث، وهو رؤية ومفهوم (الإخوان) للاتفاقيات المبرمة مع العدو ومعارضتهم لها، واختيارهم للمقاومة المسلحة كحل للتحرير. وهذا النوع من الأساليب هو عين ما ستتذرع به إسرائيل غدا لإعادة احتلال ارض سيناء للمرة الثالثة. فقد أعطى عبد الناصر لإسرائيل المبرر لاحتلالها الأول في عام 1956، والمبرر الثاني كان منه في عام 1967. مع العلم بأنه ثمة فرق بين استخدام الماركسيين لمشروع المقاومة، والدول السنية المعتدلة له، فالاشتراكية تختار الأسلوب والزمان والمكان الذي يخدم إسرائيل، والآخرون على العكس.

من هنا، وانسجاما مع ما ورد أعلاه من أساليب الخداع الثورية التي تمارسها إسرائيل، فقد رأينا أثناء الثورة المصرية الموجهة ضد نظام مبارك في عام 2011، كيف ساهمت إسرائيل من خلال التصريحات المتتالية من قبل قياداتها، في تعزيز بُغض المصريين لنظام الحكم والعمل سريعا على التخلص منه بحجة الخوف على صديقهم مبارك المتمسك بكامب ديفيد من جهة. وتوجيه الشارع المصري للتعاطف مع الأخوان المسلمين بحجة تظاهر إسرائيل بالخوف من أن يكون الإخوان المسلمين هم البديل المنتظر عن نظام مبارك وبالتالي خوفها على اتفاقية كامب ديفيد وأمنها، وبذلك وقعنا في الشرك ونحن لا نعي ما يدور في مطابخ الجاسوسية اليهودية، ومحور (تل ابيب- موسكو – طهران).

وعليه، فقد رأينا وبمجرد وصول الإسلام السني السياسي لسدة الحكم في مصر، كيف بدأت الدماء تسري في عروق اليهود وتتدفق سريعاً من جديد على أمل إعادة ارض سيناء لهم بحجة أن الأمن القومي الإسرائيلي في خطر عظيم. فقد أورد مركز (بيجن- السادات) للدراسات تقريراً نشرته جريدة الشرق الأوسط يتضمن تخوفات إسرائيلية من وصول الإسلاميين للحكم في مصر بسبب تهديداتهم للأمن القومي الإسرائيلي (زعموا)، وان الحل كما جاء في التقرير، يكمن في طرد أهل قطاع غزة لمصر، أو احتلال جزء من أرض سيناء. ثم كشف شيخ المنايعة في سيناء “شادي المنيعي” أن حاخامات اليهود يواصلون ضغطهم علي نتنياهو لاحتلال سيناء. وأضاف أن الحاخامات قالوا لنتنياهو عجل بمشيئة الرب وهذه العبارة تعني طبقا للعقيدة اليهودية احتلال سيناء .وواصل، بحسب العقيدة اليهودية فإن سيناء جزء من أرض الميعاد وسيطرة اليهود عليها تعني اقتراب ظهور المسيح الذي سيعيد اليهود إلي حكم العالم حسبما يؤمنوا.” أ هـ.

لذا فقد رأينا أن نظام مبارك – على ما فيه من سوء وعلاقات سلام مع إسرائيل- كيف حافظ على ارض سيناء مدة ثلاثة عقود، وعطل أو أخر موعد ظهور المسيح الذي سيعيد سيمكن اليهود من حكم العالم، فهل نفقدها خلال (4) سنوات التي هي مدة حكم حركة الإخوان السنية في مصر أو أقل من ذلك، ونختصر الزمن أمامهم لخروج مسيحهم المنتظر؟

نأمل من إخوتنا في الحركة الإسلامية السنية أن يدركوا هذا الخطر العظيم، وهذا الفخ الذي نُصب لهم من قبل وكلاء إسرائيل في طهران ودمشق، كما نصب للعرب قديماً، من قِبَلِ القاهرة أيام حكم عبد الناصر، وان ينأوا بأنفسهم عن هذا التيار الإعلامي المغرض الذي قادنا سابقاً باسم التحرير على يد الماركسيين قبل عقود إلى ما تريده إسرائيل، وان لا يكرروا ويجربوا ما قد كُرّر وجُرّب. فالمؤمن لا يلدغ من جحر واحد مرتين. والعاقل من اتعظ بغيره.

قال الله تعالى: ((أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71) ﴾. ( سورة الأحزاب.

5/7/2012


(1)          عن كتاب ((اليهود)) لزهدي الفاتح، (ص131)، ط/2، نقلاً عن مصدره رقم (328).

(2)          عن كتاب ((اليهود)) لزهدي الفاتح، (ص131)، ط/2، نقلاً عن مصدره رقم (327).

(3)          عن كتاب ((اليهود)) لزهدي الفاتح، (ص129)، ط/2، نقلاً عن مصدره رقم (319).

(4)          ((وضاعت الجولان))، (ص60) ، عن مفكر يهودي أمريكي كبير.

(5)          (التقدميون هم: الماركسيون، الشيوعيون، البعثيون، الاشتراكيون،القوميون العرب)، من كتاب ((وضاعت الجولان))، (ص 62).

(6)          فؤاد كرم:  ((وضاعت الجولان))، (ص 6، 64، ط/3، 1970).

(7)          ((موسكو وإسرائيل))، (ص455).

مستقبل أرض سيناء في ظل سيطرة الإخوان المسلمين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

تمرير للأعلى